مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١١٣

الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد

113

الصدقة جائز لكن إخفاءها مراعاة لكرامة الفقير خير، فقد رجح مصلحة إخفاء الصدقة على مصلحة إبدائها وإشهارها.

القرآن

ففي إظهار الصدقة تشجيع للناس وحثهم على الصدقة وفي هذا مصلحة وفي إخفائها تجرد وإخلاص وستر على الفقير وعدم جرح كرامته بين الناس وهذه مصلحة أرجح ولا شك. المثال الرابع: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدوا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].

ذكر القرطبي أن سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا لأبي طالب إما أن تنهى تنهى محمداً وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما أن نسب إلهه ونهجوه فنزلت هذه الآية. قال أهل العلم وحكمها باق في الأمة على كل حال فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الله رحل فلا يحل للمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم، ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك (2).

وهذه الآية أصل في سد الذرائع، وسد الذرائع اجتهاد مقاصدي يقوم على الموازنة بين المصلحة والمفسدة، فإن سب آلهة المشركين إهانة لها، وإغاظة لأهلها مصلحة لأنها حمية للدين إلا أنه يترتب عليها مفسدة أعظم منها،

وكان ترك السبّ أولى، وهذا من فقه الموازنة الذي أشار إليه القرآن الكريم.

قال العلامة أطفيش: «وسبها طاعة لكن إن أدى إلى معصية راجحة لا يمكن دفعها نهوا عنه وذلك قاعدة كلية لهذه الآية (3)، وهذا القول تنبيه إلى قاعدة كلية عظيمة وهي قاعدة سد الذرائع.

(1) انظر: «فقه الموازنات» د. جبه جي، ص 56.

(2) «الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 491/ 8، مؤسسة الرسالة.

(3) «هميان الزاد 114/ 5 و 16/ 3.