مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١١٩

الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد

119

المثال الثالث عشر: قوله تعالى: {يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي

خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبُ قَوْلِي} [طه: 94].

ففي تصرف هارون موازنة بين مفسدتين واختيار أخفهما فإن في العكوف على جسد العجل مفسدة عظيمة وهي مفسدة الشرك لكن لو أحدث قتالاً أو فتنة مع القوم لحدث ما هو أعظم في نظر هارون وهو الفرقة التي ربما لم تنته على مرور الدهور، وهذا اجتهاد مقاصدي مُسدَّد من الله تعالى؛ لذلك رأينا موسى قد أقره على اجتهاده فقد وازن هارون بين مفسدتين واختار أدناهن في نظره فقد اختار تركهم عاكفين إلى حين رجوع موسى على ارتكاب الفتنة وإزهاق الأرواح وسفك الدماء.

قال القرضاوي: «إن هارون قدَّم الحفاظ على وحدة قومه في غيبة أخيه الأكبر موسى ريثما يعود فيتفاهمان كيف يواجهان الموقف الخطير لما يتطلبه من حزم وحنكة).

أرجح

ويرى العلامة ابن عاشور أن اجتهاد هارون كان مرجوحاً واجتهاد موسى منه؛ لأن حفظ العقيدة الإسلامية أرجح من حفظ الاجتماع إذ إن الاعتقاد مصلحة إصلاح هي أم المصالح التي بها صلاح المجتمع (قلت): بل إن اجتهاد هارون كان راجحاً لأن المنهج لا يقوم بين الناس إلا بأمة قد توحدت على ذلك المنهج، أما الأمة الممزقة والمتفرقة أحزاباً وجماعات كل حزب بما لديهم فرحون هذه أمة تمزق المنهج وتُحيلُ العقيدة عقائد شتى، والاستقراء التاريخي شاهد على ذلك فإن الفرق الإسلامية لما اختلفت اختلفت عقائدها وتصوراتها وصارت عقيدتها عقائد شتى، فلا جَرَمَ أن اجتهاد هارون هو الأصوب والأحكم في الحال والمآل

(1) «فقه الأولويات» للقرضاوي، ص

127

(2) التحرير والتنوير لابن عاشور،293/ 16، الدار التونسية وانظر: «فقه الموازنات»