الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٣الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
123
وقد تأسى ملا محمد صلى الله عليه وسلم بملأ نوح حين قالوا لنوح ما حكاه القرآن عن ملئه، قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَنكَ إِلَّا بَشَرًا مثْلَنَا وَمَا نَرنك اتبعكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَازِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا فَضْلِ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِبِينَ﴾ [هود: 27].
مِن
وقد طلبوا من نوح طرد هؤلاء الضعفة يظهر ذلك من رد نوح علي ملئه حيث حكى الله تعالى ذلك عنه بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهُم مُّلَقُوا رَبّهِمْ وَلَكِنِى أَرَنكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُهُمْ أَفَلَا نَذَكَرُونَ﴾ [هود: 29 - 30].
فهذه مفاضلات وموازنات أرضية قد اختلت فيها القيم والموازين والاعتبارات، وقد بين الله الميزان الصحيح في مثل هؤلاء من ملأ قريش حين رموا القرآن بالافتراء والاختلاف فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَةِ وَالْبَصِيرِ وَالسَمِيعٌ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 24].
ج
فبين الملأين تشابه في اختلال ميزان التفاضل: تشابهت قلوبهم فتشابهت ألسنتهم وأقوالهم.
المثال الحادي والعشرون: في قول الله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَهدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95].
ففي هذه الآية موازنة ومفاضلة بين المؤمن القاعد عن الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه من غير عذر وبين الخارج في سبيل الله بماله ونفسه فالمجاهد بالمال والنفس أعظم درجة. وهذه الدرجة عبرت الآية عنها في المفاضلة آخرها بأنها أجر عظيم. وهي بين المجاهدين وبين القاعدين الذين