الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٢132
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 2
ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم
ومن الأمثلة على الموازنة بين المصلحة والمفسدة قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة: «لولا حداثة قومك بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها من الحجر».
وبين
فقد وازن النبي صلى الله عليه وسلم بين مصلحة إعادة الكعبة إلى قواعد إبراهيم علي المفسدة الحاصلة بزوال هيبة البيت من قلوب الناس ولا سيما وأنهم
حديثو عهد بجاهلية وكفر.
فقد وازن النبي صلى الله عليه وسلم بين المصلحة والمفسدة فقدم رفع المفسدة، لأن ذلك مصلحة أيضاً، فإن تعظيم الكعبة كان من بقايا الحنيفية السمحة وهي ملة إبراهيم ل فقد لا يتحمل الناس هدمها وتغيير شكلها، لذلك اختار إبقاءها على ما هي عليه وهذا فقه عظيم وموازنة ظاهرة. وقد علق الإمام السالمي الله على هذا الحديث، فقال: «وفي الحديث ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشد، واستئلاف الناس إلى الإيمان، واجتناب ولي الأمر ما يتسارع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا وتألف قلوبهم بما لا يُترك فيه أمر واجب كمساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، والله أعلم.
هذا
تمام ما قال. وفيه من الموازنة وفقه الأولويات ما لا يخفى، وسوف أفرد مطلباً خاصاً بفقه الموازنة عند الإباضية إن شاء الله، أما هنا فسوف
أقتصر على ذكر نماذج من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتعليق الأئمة عليها:
(1) صحيح البخاري باب فضل مكة وبنيانها: 146/ 2/ رقم (1585).
(2) «شرح الجامع الصحيح» للسالمي 252/ 3.