الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥١الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
151
في
فقامت تلك الأخوة المباركة وارتفع بناؤها الشامخ وضربت بجذورها الأرض فحلّت الوحدة محل التفرقة، وحلت المحبة محل الكراهية، وحل الإيثار محل الشح والأثرة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
أي: يختارون إخوانهم من المهاجرين ولو كان بهم فقر وحاجة فعن ابن عمر: أهدي إلى رجل من الأنصار شاة، فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج مني فأرسل إليهم، حتى تداوله سبعة بيوت فرجع إلى الأول، فنزلت
الأنصار»).
الآية وهي في مدح وقد قابل المهاجرون هذا الحب والإيثار بالدعاء لإخوانهم بالمغفرة والرضوان، فما استغلوا تلك العاطفة الجياشة، وما أثقلوا عليهم الطلب، بل
قالوا لإخوانهم: بارك الله لكم في أموالكم لكن دلونا على السوق.
روى البخاري أنه لما قدم المهاجرون إلى المدينة آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً أقسم مالي بيني وبينك نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال عبد الرحمن: بارك الله لك في مالك وأهلك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما عاد إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم رجع مرة أخرى إلى السوق بل
مرات.
(1) «تيسير التفسير» لأطفيش 136/ 11.