الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٧الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
157
ثم وازن البند الثالث هل يختار الهدنة أم الحرب؟ فرأى في الهدنة مصلحة عظيمة يأمن الناس فيها على دمائهم ويتوقف السيف والسنان وتبدأ الحجة والبرهان ويعد المسلمون العدة ويستقبلون الوفود القادمة إليه يسألون عن الإسلام فكان كل الخير في هذا الصلح.
وقد سماه الله فتحاً، وأنزل فيه: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1]، فقال عمر: أفتح هو يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم إنه لفتح».
وقد أثنى الله على صلح الحديبية وسماه فتحاً عظيماً.
روى ابن هشام عن ابن إسحاق عن الزهري قال: ما فُتِحَ في الإسلام (أي: صلح الحديبية) إنما كان القتال حيث التقى
فتح قبله كان أعظم
منه
الناس.
فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضاً التقوا فتفاوضوا في الحديث، والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك
أو أكثر).
وكان أبو بكر له يقول: «ما كان فتح في الإسلام أعظم منه؛ أي: صلح الحديبية ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه والعباد يعجلون والله تبارك وتعالى لا يعجل … لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجه قائماً عند المنحر يقرب إلى رسول الله بدنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينحرها بيده ودعا الحلاق فحلق رأسه وأنظر إلى سهيل يلقط من شعره وأراه يضعه على عينيه وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب بسم الله الرحمن
(1) «سيرة ابن هشام» 322/ 2.