الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧١الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
171
إياه أنهم كانوا علماء لنظم السور وتأليف الآي لا يحرّفون الحكاية ولا يقصرون في التأدية. إن أول ما نزل «اقرأ» وأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة وآخر ما نزل سورة براءة … إلى آخر ما قال مما يدل على شدة حفظهم ومعرفتهم بالقرآن ومواقع نزوله وأول وآخر ما نزل.
والناظر في هذه الأدلة يجدها كلها مُسَلَّمة عند جمهور أهل الحديث لا يختلفون في شيء منها فهم مُسلّمون أن رسول الله جمع السور والآيات وضم بعضها إلى بعض.
الذين
وكلما نزلت آية قال: «اجعلوها في مكان كذا من سورة كذا»، بل قالوا: إن ترتيب الآيات والسور توقيفي عن الله ورسوله وليس باجتهاد الصحابة. وهم يُسَلِّمون أن الصحابة كانوا يعرفون ناسخه ومنسوخه ومقدمه ومؤخره وأكثر من ذلك وهم يسلمون أن للنبي كتاباً للوحي وهم سماهم ابن بركة رحمة الله. وكانوا يكتبون الآية في الجلود وعلى الدّخاف ذلك مما تيسر لهم. وهم مسلمون بقول أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بأن النبي توفي والقرآن مجموع متلو.
ونحو
بل ويستدلون على جمع القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: 17 - 19].
لكن جمع
القرآن عندهم كان على ثلاثة معان:
المعنى الأول: جمعه بمعنى حفظه. والقرآن بهذا الاعتبار كان محفوظاً في صدور القراء وعلى الجلود مكتوباً بترتيب آياته وسوره؛ لأنهم يعتقدون أن ترتيبها كان توقيفياً عن الله ورسوله وكان يطلق على حفاظ القرآن
جُمَّاع القرآن.