الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٥الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
175
عمر يستشيره في المعضلات ويدعو له بطول البقاء، والمتتبع لمواقفه السياسية وأقضيته يجدها تنطوي على مستوى عالٍ من الفهم والعلم بمقاصد الشرع حتى في أيام المحنة لما سئل عن الذين خرجوا عليه أكفار هم؟ قال: معاذ الله هم من الكفر فرُّوا قيل: أمنافقون هم؟ قال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فمن هم إذاً؟ قال: إخواننا بغوا علينا يقصد بهم من كان في جيش معاوية بن أبي سفيان ومن الأمثلة التي تدل على الموازنة عنده
المثال الأول: ترك القصاص من قتلة عثمان:
6
بعد مقتل عثمان له اجتمع أهل الحل والعقد بعلي نه وتشاوروا في أمر الاقتصاص من قتلة عثمان الله، فكان رأيه الله التريث في شأنهم خوفاً من حصول فتنة أعظم، وقد ألمح إلى اختيار أهون الشرين حين قال: هذا الذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم وهو خير من شر منه القتال والفرقة، وهو كأمر لا يدرك، وقد كاد أن يبين لنا وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أهمها منفعة وأحوطها).
فقد كان عليه يرى وجوب الدخول في البيعة أولاً والقصاص ثانياً، فقال القائلون: لا نسمع لك ولا نطيع. فادّعى معاوية أنه ولي الدم وهو الذي يطالب بالقصاص، فقال له الإمام علي بايع أولاً وادخل فيما دخل فيه الناس ثم طالب بحقك في ولاية الدم وإيقاع القصاص، فقال معاوية: بل القصاص أولاً (2).
وإذا نظرت في تقديم الأولى فالأولى من الدخول في البيعة ثم المطالبة بالقصاص، أو تقديم القصاص أولاً ثم الدخول في البيعة ثانياً، وجَدْتَ أن
(1) انظر: تاريخ الطبري 495/ 4، والفتنة ووقعة الجمل» لسيف بن عمر الأسدي، تحقيق أحمد راتب عرموش 150/ 1، و «الكامل في التاريخ 595/ 2 لابن الأثير، ط أولى.
(2) «الإباضية بين الفرق الإسلامية» لعلي معمر
397/ 1