الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٧الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
177
فكان ذلك إجماعاً. وكان علي قد سلك طريقة عمر وقال: إن الناس لا يصلحهم إلا ذلك. فكان في هذا الإجراء مصلحة كلية ضرورية من مصالح حفظ أموال الناس. وقد اشتهر هذا الإجراء عن عمر، ولكن
الشريعة، وهي الصحابة وافقوه وتبناه علي من بعده.
وقد ذكر الشاطبي وجه المصلحة فيه فقال: إن الناس لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية وذلك شاق على الخلق وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع فتضيع الأموال ويقل الاحتراز وتكثر الخيانة.
فكانت المصلحة التضمين ثم قال: وهذا معنى قوله: لا يصلح الناس إلا ذاك. قال الحجوي علّامة المغرب (2): وقد عمل بهذا الإجراء الخلفاء الراشدون لما روا احتياج الناس إلى تضمين الصناع أوجبوه مع منافاته
للقياس (3).
المثال الثالث: ذكر ابن القيم في كتابه «الطرق الحكمية» في فصل الحكم بالفراسة قال الله: ومن ذلك أن عمر بن الخطاب له أتي بامرأة زنت فسألها فأقرت فأمر برجمها، فقال علي: لعل لها عذراً، ثم قال لها: ما حملك على ذلك؟ قالت: كان لي خليط وفي إبله ماء ولبن ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي
(1) انظر: «الوصف المناسب لأحمد بن محمود بن عبد الوهاب الشنقيطي 280/ 1، نشر عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، ط أولى.
(2) «الاعتصام» 19/ 2.
(3) «الفكر السامي 563/ 2، ط أولى، دار الكتب العلمية.