مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٩٤

194

مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 2

وبيان ذلك أن يقال: إن بني تغلب من نصارى العرب الذين عرفوا بالأنفة والحمية ورضعوا لبان الحرب والفروسية من أيام المهلهل، وقد جاؤوا إلى عمر طالبين منه إسقاط الجزية عنهم ومضاعفة الصدقة عليهم وقد خيرهم عمر بين الجزية والحرب فاختاروا الحرب أنفة وهم أولوا بأس وقوة، فلو حاربهم عمر لخشي منهم اللحاق بالروم فيتقوى الروم بهم على المسلمين، فاستشار عمر له في شأنهم فأشار الصحابة في شأنهم فأشار الصحابة بوضع الجزية عنهم ومضاعفة الصدقة عليهم ما دام أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ

والمباني).

فالجزية مصلحة لرفد بيت المال بالأموال وهذه المصلحة مشوبة

بمفسدة انسلاخ بني تغلب عن سلطة المسلمين وولائهم للروم.

أما مضاعفة الصدقات عليهم مع ضمان ولائهم لدولة الإسلام التي يرأسها عمر مع ضمان دفاعهم وقتالهم إلى جانب المسلمين ضد الروم فهذه مصلحة لا يشوبها شيء من المفاسد وقد زان ذلك تأييد الصحابة لهذا التوجه فكان ما فعله عمر موازنة دقيقة توجهت فيه المصلحة الخالصة على المصلحة المشوبة بالمفسدة

قال العلّامة الوارجلاني تعليقاً على هذه المسألة: «اعلم أن عمر كما قال رسول الله: إن لكل أُمةٍ محدّثاً، ومروعاً فإن يكن فيكم فعمر»، وذلك أنه نظر إلى ربيعة بالجزيرة وهم قوم عرب تنصروا قبل الإسلام وهم أهل نكاية في الحروب وشدة قد أرضعتهم الحروب بلبانها وفطمتهم من عهد المهلهل إلى الأبد، وقد همّوا بقطع الفرات إلى دجلة ثم إلى بلاد أرمينية ليعضدوا النصارى على المسلمين حين عرض عليهم عمر الذلة والصغار والجزية

(1) انظر: «منهج الطالبين 234/ 5، والعدل والإنصاف» 30/ 1.