الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٦196
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 2
يترتب على ذلك من فوات النفس والمال إذا كان جلب الماء يُعرّضه لعدوّ أو سبع، أو كان معه ماء لا يزيد عن حاجته في الشرب، فإنه ينتقل إلى التيمم، فرأيا أن مصلحة المحافظة على النفس أو المال أو إلحاق ضرر بهما أعظم من مصلحة الصلاة بالوضوء.
أو يقال: إن مفسدة تلف النفس أو المال أشد من مفسدة فوات الوضوء؛ لأن الصلاة جزئي من كلي حفظ الدين، وحفظ النفس والمال كلاهما كلي، والكلي مقدم على جزئه عند التعارض.
القاعدة الثامنة عشر: تقديم كلي المال على جزئي الدين:
ومن
الأمثلة على هذه القاعدة ما رواه البخاري بسنده عن أبي برزة له أنه كان يصلي ولجام دابته بيده فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها، فقال رجل من الخوارج: اللّهمّ افعل بهذا الشيخ فلما انصرف قال: إني سمعت مقالتكم وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبعاً أو ثمانياً، وشهدت تيسيره وإني إن كنت أراجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق عليّ).
قال الطاهر بن عاشور فمشاهدته المتعددة لأفعال رسول الله استخلص منها أنَّ من مقاصد الشريعة التيسير فرأى أن قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه ثم العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشم الرجوع إلى أهله راجلا (2).
في هذا الحديث تقديم كلّي المال على جزئي
الدين.
(1)
«صحيح البخاري باب العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة رقم (1211). (2) «مقاصد الشريعة لابن عاشور، ص 195.