الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٢72
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 1
(قلتُ): ويجاب على ما قاله ابن حزم إن البيان الذي تحدث الله عنه بقوله: {تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ» وبقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ [الأنعام: 38] إنما هو بيان كلي بمعنى أن القرآن قد أتى على شعب الحياة كلها لكن ببيان إجمالي بدليل أن هناك أحكاماً ليس فيها بيان في القرآن تولت السُّنَّة بيانها؛ من ذلك تحريم المرأة على عمتها وخالتها، ومنها تحريم كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير. ومثل
ذلك كثير.
ولو كان القرآن تولَّى بيان كل شيء بالتفصيل لم يكن المجتهدون بحاجة إلى السُّنَّة. والواقع خلاف ذلك حتى قال أهل العلم: إن القرآن بحاجة إلى السُّنَّة أكثر من حاجة السُّنَّة إلى القرآن.
والإجماع منعقد على أن السُّنَّة مستقلة بالتشريع عن الكتاب ولم يخالف إلا الظاهرية وخلافهم في مسائل القياس غير معتبر عند المحققين إنما يعتبر في غير مسائل القياس؛ لأنهم في إنكارهم القياس انحدروا إلى مرتبة العوام، والعامي لا يعتبر خلافه في الإجماع.
أما الأصل الثاني القائل بأن القياس زائد على الشرع فهو من عمل الإنسان فهو غير مسلّم إذ القياس ثابت شرعاً بأدلة قطعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقد أرشد القرآن إليه بقوله: (فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2].
وبقول معاذ: أجتهد رأيي ولا آلو، فأقره النبي.
وبأقيسة النبي فقد قال لعمر لما سأله عن قبلة الصائم قال: «أرأيت لو تمضمضت الحديث وفيه قياس القبلة على المضمضة (3).
(1) الحديث في سنن الدارقطني باب الصيد والذبائح برقم (4779). (2) الحديث في سنن أبي داود باب اجتهاد الرأي برقم (3592).
(3) الحديث في مصنف ابن أبي شيبة من رخص في القبلة للصائم برقم (9406).