مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٦

256

مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 2

فدل الحديث على أن الشبهة هي الحمى حول الحرام فلا بد من الابتعاد عن الحمى لئلا يقع في الحرام.

وهذه القاعدة أصل عظيم في الورع وترك ما اشتبه أمره على الناس لئلا يجره ذلك إلى الوقوع في الحرام. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ بتمرةٍ

ساقطة فقال: لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها».

وقد تعرض حالة أمام المكلف تتعارض فيها المحرمات مع المشتبهات فماذا يقدم؟ وذلك إما أن المحرم لا يتسنى الخروج منه إلا بالوقوع في الشبهة أو عدم إمكان فعل الواجب إلا بالوقوع في الشبهة.

فالحكم أن يجتنب الحرام ولو أدى ذلك إلى الوقوع في الشبهة؛ لأن اجتناب الشبه مستحب أمّا اجتناب الحرام فواجب وما حرمت الشبه إلا لكونها طريقاً إلى الوقوع في الحرام فالشبهة حمى الحرام وسُوْرٌ لَهُ وَوَسِيْلَةٌ إليه. والغاية هي الحرام فهي أشد حرمة من مقدماتها ووسائلها. ولأن الوسيلة؛ وهي الشبهة مشكوك في حكمها، أما الحرام فهو مقطوع في حكمه لذلك يقدم الوقوع في الشبهات على الوقوع في المحرمات؛ لأن الوقوع في المحرمات انتهاك لحدود الله يقيناً في حين أنه مظنون في الشبهات وإذا تعارض اليقين مع الشك قدم اليقين وقد سئل أحمد عن رجل ترك مالاً فيه شبهة وعليه دين فسأله الوارث هل يتورع عن ذلك المال المشتبه؟ فقال أحمد: أتترك ذمة أبيك مرتهنة؟

قال ابن تيمية معلّقاً على هذه الفتوى: فهذا المال المشتبه خير من تَرْكِها مرتهنةً بالأعراض، وهذا الفعل واجب على الوارث وجوب عين إن لم يقم غيره فيه مقامه أو وجوب كفاية أو مستحب استحباباً مؤكداً أكثر من

(1) أخرجه البخاري «البيوع» باب ما يتنزه عنه من الشبهات برقم (2055).