الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٩الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
259
مثال ذلك: ما ذكره الفتوحي الحنبلي الله لهذا النوع وهو قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 145].
فَحَصْرُ المحرم في هذه الآية يقتضي حِلَّ ما عداها، ومن جملته السباع، «وقد وَرَدَ نهيه صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، أو مخلب من الطير») فبعض العلماء يقول: هذا ناسخ للإباحة، وبعضُهم قال: ليس بناسخ. والأكل مَصْدَرٌ مضاف إلى مفعوله وهو الأصل في إضافة المصدر فيكون مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: 3]، فيكون حكمها واحداً).
وقد نزّل مالك مذهبه على هذه الآية فاعتبر أن كل ما لم يذكر في الآية من الطعام حلالاً، أما الجمهور فقال: إن هذه الآية نزلت على سبب خاص، وهو أن اليهود جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: تبيحُ ما تقتلونه وتُحرمُ ما يقتلُهُ اللهُ فأنزل الله هذه الآية؛ أي: إنكم مراغَمُونَ في ذلك فلا أُحَرِّمُ إلا ما تَرُونَهُ حلالاً. وعلى كل حال فهي مسبوقة بالإجماع فالإجماع منعقد على تحريم أمور كثيرة لم تذكر في آية الأنعام فلا تفيد الحصر.
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام السالمي الله عند كلامه على إمامة القاعد في شرحه لحديث: «فصلوا قعوداً»، قال: وفي الحديث صحة إمامة القاعد وأن المأمومين يصلُّون وراءه قعوداً اتباعاً له، وفي المسألة خلاف. قال جابر: وإنما يصح هذا خلف أئمة العدل وأما غيرهم فلا، وحكى ابن حبان عن جابر بن زيد جواز ذلك على الإطلاق، وهو أقرب إلى معنى الحديث، والربيع أعلم بأحوال جابر فإنه أدركه وأخذ عنه وأخذ عن أصحابه
7، ص
(1) رواه البخاري في كتاب الطب» 76/ باب/57 ج (2) «شرح الكوكب المنير 298/ 1 تتحقيق د. محمد الزحيلي.
33