مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦١

الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد

261

الحكمة من تقديم البقاء على النسخ:

الحكمة أن النسخ إلغاء للحكم وإهمال له وإعمالُ كلام الله وكلام رسوله أولى من إهماله.

وادعاء النسخ في الحكم الشرعي هو ادعاء أن لا يطاع الله ورسوله في هذا الحكم والله تعالى يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)

[النساء: 64]؛ لذلك كان البقاء أو الإحكامُ أولى من النسخ في سلم الموازنات. ومن الأمثلة: نكاح المحصنات من الكتابيات، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾ [المائدة: (5) فهنَّ حلال لمن يتزوجهن من المؤمنين وهذا تخصيص من عموم تحريم المشركات وسورة المائدة ثابتة كلها لم ينسخ منها شيء وكانت الصحابة كابن مسعود يتزوجون نساء أهل الكتاب الحرائر المحصنات ولم يظهر من أحد إنكار لذلك فكان إجماعاً على الجواز، وكره عمر بن الخطاب تزوجهن كراهة تنزيه لا تحريم إذ كثرت المؤمنات، وزعم بعض العلماء أنه لا يجوز تزوجهن لأن لفظ المشركات يتناولهن والتخصيص والنسخ خلاف الأصل.

(قلت): هذا مثال على القاعدة لكن الصحيح جواز نكاح حرائر أهل الكتاب وأن الصواب هو تخصيص قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ﴾، بقوله تعالى: وَالْحُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ، والتخصيص خير من النسخ؛ لأن التخصيص إعمال للدليلين العام فيما بقي منه بعد التخصيص، والخاص فيما استثنى من أفراد العام، والنسخ إعمال لأحد الدليلين وإهمال للآخر بالكلية.

(1) انظر: «هميان الزاد 331/ 2) لقطب المغرب أطفيش.