مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٩

الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد

269

بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]، وبقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55]؛ لذلك قدمنا المجاز على الإضمار. لذلك فإن الإمام أبا حنيفة يحمل قول السيد لعبده أنت ابني على العتق، ونقل صاحب «البدائع» تعليل أبي حنيفة في هذه المسألة وأنا هنا أنقله باختصار قال رحم الله: لأن كلام المتدين يحمل على الصحة والسداد ما أمكن لاعتبار عقله ودينه، وأمكن تصحيح هذا الكلام من وجهين الكناية والمجاز». هذا لفظه ثم بين كيفية الحمل على الكناية والمجاز، فقال: «أما الكناية فهي الملازمة والمجاورة وهي كثيرة في اللغة كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [النساء: 43]، والغائط المكان المطمئن من الأرض كنى به عن الحدث لملازمة بين هذا المكان وبين الحدث غالباً؛ إذ العادة أن الحدث يوجد في هذه الأمكنة تستراً عن الناس، والبنوة في الملك ملازمة للحرية فجاز أن يكني بقوله: هذا ابني عن قوله: هذا معتقي، وذكر الصريح والكناية في الكلام سواء، ولو صرح فقال: هذا معتقي، عتق وكذا لو كنى به.

وأما المجاز فلأن من طرقه وعلاقاته المشابهة بين الذاتين فالابن اسم للمخلوق من ماء الرجل، والأنثى وفيه معنى ظاهر وهو كونه منعماً عليه من جهة الأب بالإحياء لاكتساب سبب وجوده وبقائه بالتربية والمعتق - بالفتح - منعم عليه من جهة المعتق - بالكسر - إذ الإعتاق إنعام على المعتق قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37]، قيل في التفسير»: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق، فكان بينهما مشابهة في هذا المعنى، وأنه معنى لازم مشهور فيجوز إطلاق الابن على المعتق - بالفتح - مجازاً لإظهار نعمة العتق كإطلاق اسم الأسد على الشجاع لإظهار صفة الشجاعة» ().

(1) باختصار من بدائع الصنائع للكاساني 2279/ 5، مطبعة الإمام.