الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٩الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد
289
فاستفتى الإمام يحيى بن يحيى الليثي فأفتاه بصوم شهرين متتابعين، فلما قال له أهل العلم: لماذا خالفت مذهب مالك وهو العتق؟ قال: لو أفتيته بالإعتاق لاستطاع أن يقع كل يوم على جارية ويعتق، فقالوا له: إن ما ذكرته من مصلحة تعذيب الملك بالصوم هي مصلحة ملغاة؛ لأنها خالفت النص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي وقع على زوجته في نهار رمضان: «اعتق رقبة»، وقالوا: إن تشوف الشارع إلى تحرير الرقبة من العبودية أعظم من تشوفه إلى تعذيب الملك.
صريح
فها هم اعترضوا على القاضي والملك في الأخذ بالمصلحة الملغاة، وبينوا وجه، إلغائها، ولم يخشوا الملك، أليس هذا من علم مقاصد الشريعة؟!
ولما كان حكم المماليك بمصر منافياً لمصلحة شرعية تحسينية ثار عليهم العز بن عبد السلام حتى حررهم ثم قبل بعد ذلك بحكمهم؛ أليس هذا موقفاً مقاصدياً كاد يكلفه روحه؟
ولما طلب السلطان بيبرس من النووي أن يفرض على الناس ضريبة يتقوى بها الجند زيادة على الصدقات ثار النووي في وجهه قائلاً: بع ما لديكم من الديباج والذهب؟! فإذا نفد خذ من أموال الناس ما شئت. فغضب بيبرس وأخرجه من الشام.
أليس هذا موقفاً مقاصدياً لحفظ مال الناس وهي مصلحة ضرورية؟
ومثل هذه المواقف كثيرة لو أردنا استقصاءها لاحتجنا إلى مجلد بسيط وكتاب مديد. نعم كان من الأنسب أن يقال: إنهم لم يفردوها بدراسة نظرية
هذا
بكتاب مستقل كما فعل الشاطبي على أنه مسبوق ببعض الأبحاث في العلم، إلا أننا نراه إماماً مستقلاً وجهبذاً خبيراً في هذا الباب ولا ينكر فضله