الجزء الثالث والرابع
الجزء ٣ · صفحة ١٣٠130
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى/ج 3
1 - الحكم بغير ما أنزل الله:
إن الحكم بغير ما أنزل الله هو أصل كل فساد في الأرض؛ ولذلك شنع الله على الحكم بغير ما أنزل الله ووصفه بالكفر، والظلم والفسق، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَتَبكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، وقال: الظَّلِمُونَ، وقال: (الْفَسِقُونَ} [المائدة: 44 - 47].
وقد نفى الإيمان عمن لم يحكم بما أنزل الله، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
فقد علق الله الإيمان على ثلاثة أمور: التحاكم إلى شرع الله، ثم القبول من غير شعور بالحرج والتبرم والانزعاج ثم التسليم عن الرضى بحكم الله
ورسوله.
ووصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم جاهلي: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، وذلك لأن تعطيل الحكم بما أنزل الله من شأنه أن يوقع الخلل في الأرض ويجلب الفساد على العباد؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله يعطل المصالح فلا تقام الحدود، ولا ينصف المظلوم ولا تحفظ الحقوق، ويحل الظلم محل العدل، والأثرة محل الإيثار، والعداوة محل المودة، وتقطع الأواصر والأرحام، ويعيش الناس في جاهلية جهلاء، وفي بيئة عمياء ملؤها الظلم والكدر، وصدق الله إذ يقول: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)
[الأعراف: 56].
والحكم بغير ما أنزل الله فساد للفطرة، وللإرادة، والتشريع، والتنظيم،
والقيم، والموازين.