المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٢122
فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ / 12 م
وتبدو المرونة واضحة في هذا التصور الثالث؛ حيث إنه لا يلتزم بشكل تخطيطي محدد، ولكن هذا التصور تعدد أنماطه تعددًا يرتبط بمواضع الفحص والسوق والماء والجبل والمسجد إذا كان خارجا عن موضع المنزل، وتجيز الأحكام إنشاء الطريق إليه في أراضي غير أهل المنزل ومواضع هذه المرافق والمنشآت العامة يحكم بعضها انسحاب الطبيعة كموضع الماء والفحص، ويحكم بعضها الأخرى الرؤية التخطيطية كالسوق والمسجد.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا التصور كان حريصًا على البعد الاقتصادي حرصًا يتمثل في إبراز أهمية التوصل السهل إلى المنشآت والمرافق العامة، وإلى تفصيل إنشاء طريق واحد إذا كان من الممكن من خلال التوصل إلى هذه المرافق والمنشآت؛ لأن إنشاء طريق واحد يحقق هذا الغرض أكثر اقتصادًا بالطبع من إنشاء أكثر من طريق. لكن هذه الرؤية الاقتصادية في العمارة لم تكن مانعة من إنشاء أكثر من طريق إذا كان توزيع مواضع المنشآت والمرافق يحتم ذلك؛ حتى لا تتأثر حياة المجتمع بعدم سهولة التوصل إليها.
وإذا كان التصور التخطيطي الأول والثاني نمطيين، فإن مرونة التصور الثالث قائمة وداعية إلى تنوع أنماط التخطيط العام للمنزل، الذي يرتبط بأحادية الطريق أو تعددها. وهذه التصورات التخطيطية لأنماط الشوارع في المنازل الإباضية كما طرحها الفرسطائي، بالإضافة إلى أنها تكشف عن الإدراك العميق للفرسطائي بأساليب تخطيط الشوارع التي أدرك بعضها غيره، وتبناها الفرسطائي بجانب تصوره. وهذا كله يقدم للباحثين تصورات فقهاء الإباضية في مجال التخطيط العمراني، وبخاصة تخطيط الشوارع والتي تفيد المعماريين والآثاريين لفهم التراث العمراني والمعماري