المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤264
فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ / 12 م
وفي ضوء ما سبق يتضح إلى أي مدى كان الفرسطائي مدركًا لهذه الأسباب، فكان رأيه أن يترك مقدار ما يجوز فيه المار» لتحقق هذه الأغراض كلها، ومقارنة رأيه برأي غيره تكشف عن أن الآراء الأخرى لم تلم بكل المسببات التي تحدد المسافة المناسب تركها.
الجدران المشتركة:
من
الجدران المشتركة ظاهرة معمارية ظهرت في تاريخ العمارة الإسلامية في إطار توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دعا إلى التعاون بين المسلمين في بناء دورهم في إطار الظروف التي مرت بها يثرب بعد الهجرة؛ حيث هاجر عدد كبير من المسلمين وباتت الحاجة ملحة لحركة عمرانية ومعمارية لبناء دور تستوعب المهاجرين، فأذن له الأنصار بأن يقطع المسلمون ما عفا الأرض للمهاجرين يبنون عليها، فأقطعهم الأرض وتابع عملية الإنشاء، وانصبت توجيهاته على استغلال الجدران التي تمثل الحدود الخارجية للدور، وتحديدًا التي تجاور الجيران في التسقيف وهو ما ساعد على تقليل تكلفة البناء، وتوفير مساحات من الأرض تضاف للحيز الفراغي لهذه الدور، وكان الجدار المشترك أحد هذه الحلول حيث يمثل نوعا من التعاون في البناء بين الجيران الذين يشتركون في بناء الجدران الفاصلة بينهم، فتقل تكلفة البناء، وتزداد المساحة بسبب احتساب التكلفة على المشتركين مناصفة، ويكون اشتراكهم في مساحة الجدار المشتركة مناصفة، أو بأي
صورة من صور الاشتراك الناتج في إطار التصرفات المعروفة في الملكية. وكان الجدار المشترك من أهم الموضوعات المعمارية التي ناقشتها الأحكام الفقهية المعمارية في الفقه الإسلامي حتى إننا نجد مؤلفات بكاملها تعرض لمسائل الجدران المشتركة بشتى صورها، ويضع الفقهاء الذين قاموا بتأليفها من الأحكام ما يحل مشاكلها المتصلة بالبناء أو الملكية أو المنفعة،