فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6هـ/12م محمد عبد الستار عثمان [دارس عن الإباضية]

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧

27

وفي نظرة شاملة أخرى يذكر ابن خلدون أن الدولة والملك والعمران بمنزلة الآخر غير ممكن على ما قررته الحكمة، فالدولة دون العمران، والعمران دونها متعذر، كما تقدم، وحينئذ فاختلال أحدهما مستلزم لاختلال الآخر، كما أن عدمه مؤثر في عدمه» (1).

وأشارت هذه المصادر أيضًا إلى العلاقة الوثيقة بين زيادة العمران والرخاء والترف وبين قلتها والضيق وتدرج الحال من الرخاء إلى الشدة حسب درجة العمران ويضرب ابن الأزرق لذلك مثالاً بحال فاس المزدهرة بالعمران وتلمسان الأقل شأنا، وحال إفريقية وطرابلس وبرقة التي تناقص عمرانها، فتلاشت أحوال أهلها، وانتهوا إلى الفقر والخصامة، ثم يخلص إلى أن الأمصار الصغيرة التي لا تفي أعمالها بضرورتها، نجد كذلك أهلها ضعفاء متقاربين في الفقر والخصامة إلا في النادر؛ إذ لا فضل لهم يتأثلون

به كسبا (2).

وركز الناصحون من المفكرين المسلمين على الأسباب التي تؤدي إلى العمران وحفظه،کالعدل فقالوا لا جباية إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وفي السياسة بالعدل عمرت الأرض وقامت الممالك» (3).

والاهتمام بالعمران وبكل تفاصيله انعكست تطبيقًا في أحكام الفقهاء، والتي حرصت على استمرار القائم منه، وزيادته كلما أمكن، ومنعت حدوث أي ضرر به انطلاقا من هذا الفكر الواسع للمفكرين المسلمين الذين وظفوا فكرهم لمساندة الحكام في وضع سياسات العمران.

(1) ابن خلدون المقدمة

ص

223؛ عثمان 813 - 814؛ ابن الأزرق: بدائع السلك، ج 1 ص

(محمد عبد الستار) المدينة الإسلامية سلسلة عالم المعرفة الكويت، 1989، ص 25. (2) ابن الأزرق: بدائع السلك، ج 1 ص 225.

(3) للاستزادة، راجع: عثمان المدينة الإسلامية، ص ص 27 - 49.