المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨28
فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ/12 م
ويكفي
أن نشير في هذا المقام إلى رؤية ابن الربيع أحد مفكري القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، والذي استعان به الخليفة المعتصم؛ حيث إن هذه الرؤية كانت موضع تطبيق الفقهاء والقضاء من خلال أحكامهم، التي نظمت حركة العمران الإسلامي في كل العصور التالية، وهذه الرؤية لعمارة البلدان رؤية شاملة، وتنقسم إلى نوعين رئيسين، النوع الأول يتعلق بالمزارع والنوع الثاني يتعلق بالأمصار، وهما المكونان الرئيسان لمناطق العمران في العصور الوسطى، فيذكر أن المزارع «أصول المواد التي يقوم بها أود الخلق، ويلزمه فيها حقوق ثلاثة هي القيام بمصالح المياه لينتفع بها القريب والبعيد، وكف الأذى عنهم لكي لا يشتغلوا بغير الزراعة، وتقدير ما يؤخذ منهم بحكم الشرع والعدل، حتى لا ينالهم حيف ولا عسف، فإن حيف عليهم في شأن من ذلك أو عسف بهم انعكس الصلاح إلى ضده» (1).
ولم تكن المدن والمستقرات السكنية الأخرى كالبلدان والقرى يقوم عمرانها إلا بظهير زراعي يؤمن لسلطانها مصادر الغذاء الأولية، وكثير من المواد الأخرى التي تقوم عليها بعض الصناعات، ويترتب على ذلك نشاط تجاري. وأثبت تاريخ العمران أن المدن والمستقرات السكنية التي توفر لها ظهير زراعي استمرت واتسع عمرانها وكان اتساع عمرانها محكوما بتوسع هذا الظهير وازدهاره، ومن أمثلة ذلك المدن الإسلامية الكبيرة، مثل بغداد والقاهرة. وهذه الرؤية مهمة لعمران المدن الناشئة في العصر الحديث، حيث إن توفر ظهير زراعي لها يدعم عمرانها، ويدعم إلى رخائها، ويكون مقوما من مقومات نجاح عمرانها. أما المدن التي لا يتوفر لها مثل هذا الظهير، وتعتمد في غذائها على ما ينقل إليها من مناطق بعيدة، فإنها تبقى تحت
(1) ابن الربيع: سلوك الممالك في تدبير الممالك، ص 18.