المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩29
تأثير ارتفاع الأسعار، وخطر توقف ورود المنتجات الغذائية الزراعية لأسباب طارئة قد تحدث؛ مثل الحروب وانعدام الأمن (1).
والاهتمام بالزراعة يستوجب الاهتمام بمصالح المياه لينتفع بها القريب والبعيد»، وقد انعكس هذا التوجيه في التطبيق الميداني انعكاسا واضحًا، وتزخر مصادر فقه العمران، وكتب النوازل بالأحكام والمعالجات والتوجيهات التي تكفل ذلك، وتحدثت في أبواب خاصة عن موضوع قسمة الماء، ومنشآته المختلفة باختلاف البيئات كالأفلاج في عمان، والسواقي والمماصل والمواجل في بلاد جبل نفوسة، ووادي ميزاب التي تمثل أهم المناطق الإباضية التي ينصب عليها البحث في هذه الدراسة، كما عنت الأحكام بأساليب حفرها وبنائها وصيانتها أو إعادة بنائها إذا لزم الأمر؛ حتى يستمر ورود الماء لأفراد المجتمع سواء في مزارعهم أو في مناطق سكناهم.
وقد أبدع ابن الربيع عندما ذكر البعد الثاني المرتبط بالنشاط الزراعي، وهو البعد المتصل بالاستقرار والأمن الذي يتحقق بكف الأذى عن المزارعين؛ لكي لا يشتغلوا بغير الزراعة وكف الأذى هذا يتمثل في وجوه التطبيق بمنع رفع المكوس والضرائب والاغتصاب والمصادرة، وحل المشكلات التي تنشأ بين أفراد المجتمع أثناء ممارسة النشاط الزراعي بكل صوره، وهو ما عنت به مصادر الفقه ونفذته أحكام القضاء، كما أن تقدير ما يؤخذ من المزارعين من مكوس وغيرها لا يكون إلا بحكم الشرع؛ حتى لا ينال المزارعين حيف ولا عسف فإن حيف عليهم من شأن من ذلك أو عسف بهم انعكس الصلاح إلى ضده (3)، وتحقيق هذه الرؤية مسؤولية مشتركة بين السلطة العليا ممثلة في الحكام ومعاونيهم، وبين الحلقة الثانية
(1) عثمان: نصيحة الحكام، ص 2657. (2) ابن الربيع سلوك الممالك، ص 18.