المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٧الفصل السادس: المنشآت المائية
307
وهكذا يتضح أن الانتفاع بالساقية المحفورة في أرض قوم يؤسس أيضًا لملكية جسورها سواء لأصحاب الأرض التي تمر بها الساقية، والتي عليها عمارة تستفيد من الساقية لأصحاب الساقية ذاتها، أما إذا كان الجميع يستفيدون منها «فالجسور بينهم».
وكانت جسور الساقية أو حريمها تمثل ـ كما سبقت الإشارة ـ مجازا يمكن أن يمر عليه من له حق المرور، وقد نظمت الأحكام الفقهية هذه الوظيفة أيضًا، فقد سئل الفرسطائي عن هذا الأمر سؤالاً نصه: «أما من عرف أنه يجوز على جسور الساقية حتى تثبت له الجواز عليها، فقد ثبت له ذلك، فإن زال من الجسور شيء، فليأخذ صاحب الساقية برده، وأما من أدرك الساقية يجوز عليها، ويجوز عليها ماؤه، ولم يعلم أن له في الساقية شيء أم لا، أو علم أنه ليس له في الساقية إلا جواز الماء وجواز نفسه فهل ينسبها إلى نفسه، ويقول: ساقيتي ومجازي وطريقي؟ قال: نعم.
ويشير هذا الحكم إلى رؤية عمرانية مهمة لا تتعلق بالساقية كمنشأة مائية، ولكن تتعلق باستغلال حريمها وجسورها كمجاز أو طريق يمثل جزءًا من شرايين الاتصال والمرور في المناطق التي تمر بها السواقي، فقد حافظ الحكم على استمرار هذه الوظيفة في إطار شروط معينة كثبات الحق للمجتاز، ويؤكد هذا الحكم أيضًا من الناحية المعمارية على توظيف الجسر للمرور، فتصبح لها وظيفتان وظيفة أساسية تتمثل في حجز الماء ليستمر جريانه إلى المواضع التي تروي، به ووظيفة إضافية وهي استخدام جسورها أو حريمها كمجاز أو طريق. وهو أمر له أيضا بعده الاقتصادي في مجال العمارة؛ حيث إن استغلال الأرض التي تنشأ عليها الساقية التي تؤدي جسورها وحريمها هاتين الوظيفتين، يوفر بلا شك أرضًا كان يمكن
(1) الفرسطائي: القسمة، ص 445.