المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٣١٢312
فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ/12 م
وقد أجاز غيره أيضًا عمل الحريم للبئر المحدثة التي تسقى منها المواشي، وحددوا هذا الحريم بأربعين ذراعًا من الناحية التي تسقى منها المواشي، وإن كانت المواشي تسقى من جميع نواحيها، فيكون الحريم من جميع النواحي، بينما رأى غيرهم أن يكون تقدير مساحة الحريم في البئر المحدثة أيضًا في إطار عدد المواشي التي تسقى من هذه البئر، سواء قلت المساحة عن أربعين ذراعًا أو زادت عنها.
وهذه الأحكام المرتبطة بحريم البئر وبخاصة التي تسقى منها المواشي تشير إلى أهمية حريم البئر في تأدية وظائفها، واختلاف مساحة الحريم باختلاف طبيعة الاستخدام. وهو ما يتصل اتصالاً مباشرا بالنظرية المعمارية التي تربط الشكل بالوظيفة Form Follow Function فحريم البئر مرتبط بوظيفته. وتنظم الأحكام الفقهية الأمور المتعلقة بالآبار وما يشابهها من منشآت أخرى تحفر في باطن الأرض كالمواجل أو الغيران، وما كان يحدث من حالات تتعلق بها في إطار الممارسة والرغبة في زيادة العمران، فقد ذكر الفرسطائي أن من أراد أن يزيد ماجلاً آخر أو بئرا غير البئر التي أنشأها، وكان طريقها من أرض جاره وثبت له فلا يجوز له ذلك، ويمنعه جاره في الحكم، ولا يزيد في الماجل أو الغار أو البئر ليوسعها، فيرفع أكثر مما يحمله، وقبل ذلك من المياه والمنافع؛ لأن ذلك زاد على جاره المضرة في كثرة المجاز عليه، وكذلك كل ما يزيد الجواز في أرض جاره إلى منافع تلك العمارة، فإنه يمنعه جاره من ذلك، وأما النقصان إن أراد أن ينقص من المعاني التي ذكرناها فذلك جائز له، لأنه نقصان من المضرة يمنعه جاره من ذلك إن أراد صاحبه أو جيرانه، إلا إن كان منه نفع غير
ذلك المكان» (1).
(1) الفرسطائي: القسمة، ص 452.