فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6هـ/12م محمد عبد الستار عثمان [دارس عن الإباضية]

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤

34

فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ / 12 م

ومن الجدير بالذكر أن كتاب الفرسطائي القسمة وأصول الأرضين» قد تضمن الأحكام والرؤى التي يشمل كل من النوعيتين من المدن والمستقرات السكنية سواء التي تنشأ مرة واحدة أو التي تمر بمراحل تطور تبدأ من نموذج عمراني بسيط ويتطور عمرانها ويزدهر بمرور الزمن. ويلاحظ أن الفكر الذي طرحه ابن الربيع في القرن الثالث الهجري متواصل تماما مع فكر الفرسطائي وغيره من الفقهاء الذين أصدروا أحكامًا في مجال العمران والعمارة تزخر بها المصادر الفقهية التي عالجت هذه القضايا. وهذا أمر منطقي سيما وأن القضاة والفقهاء يمثلون الحلقة التالية التي تتابع التنفيذ الميداني وتحل مشكلاته وتعالج نوازله.

ويذكر بلاك أن «العدالة في الإسلام والتي يقوم على تحقيقها القضاة والفقهاء عرفها الإسلام بأنها القانون المنزل من الله، وبالنسبة للمسلمين كان العيش وفقًا لشريعة الإسلام جوهر الدين، وكان الشرع يستخدم في غالب الأحيان بمعنى الدين عمومًا، وكانت الشريعة هي التجسيد الكامل والنهائي للعدالة، ويكمن خلف وجهة النظر الإسلامية حول الوحدة المطلقة بين الدين والسياسية تلك الوحدة التي تتطلع إلى تحقيق مجتمع عادل فعلاً على الأرض، وذلك وفقًا للشريعة، وبالنسبة للمسلمين كانت الشريعة توجد حيث تلتقي المصالح الدينية والدنيوية، وكانت الشريعة من ناحية أخرى تستند إلى النصوص المنزلة إلهيًا والمفسرة بالإجماع، وقد جرى تفسيرها وتطبيقها بواسطة العلماء، ولم يكن بإمكان الخليفة أي خليفة أو سلطان أن يغير كلمةً منها. بل كان الحاكم يسعى إلى طاعة الله القدير والقانون، وهو الذي يضمن القوة لتطبيق القانون ولم يكن للحاكم أن ينجح إلا من خلال الناس، والناس لن ينجحوا إلا من خلال الثروة، ولا يوجد طريق للثروة إلا بزراعة الأرض، ولا يوجد طريق إلى ازدهار الأرض إلا من خلال إقامة العدالة،