المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩39
«معاذ» حينما سأله عما يحكم به فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، وحمد الله أن وفقه لوجه الصواب لما أجاب بقوله: «أجتهد رأيي»، ولا شك أن الاجتهاد بالرأي أعم من القياس، وأوسع دائرة وأعظم أثرًا).
وأحكام التراث الفقهي في ضوء ما وصل إلى أيدينا من مصادر فقهية منها ما هو ثابت لا يتغير ولا يتبدل ولا تختلف فيه المصلحة باختلاف الأحوال والأزمان ومنها ما يطلق عليه الأحكام الجزئية روعيت فيها مصالح الناس وعرفهم في الوقت الذي استنبط فيه، وإذا كانت المصالح تختلف باختلاف الظروف والأحوال، وكان عرف الناس في زمن قد يخالف عرفهم في زمن غيره وعرف أنه قد يغاير عرف غيرها في الزمن الواحد، وجب القول بأن الأحكام الجزئية التي راعى فيها الفقهاء في عصر ما تطلبته مصلحة الأمة ارتضى به عرفها لا يصح أن يؤخذ قانونا دائما وشريعة ثابتة اختلاف تطبق حتى مع وجه المصلحة لغير العرف (2). وهذا التوضيح مهم لإدراك تنوع واختلاف الأحكام الفقهية في مسألة ما بين منطقة وأخرى من مناطق العالم الإسلامي أو من عصر وآخر، وينعكس بوضوح في كثير من الأحكام الجزئية، ولذلك فإن اختلاف البيئات والثقافات والأعراف ينعكس بوضوح في هذه الأحكام لكنها في جميع الأحوال مؤسسة على مصادر التشريع التي سبقت الإشارة إليها.
ومن المهم الإشارة إلى أن المجتهدين المتقدمين يفرقون بين أحكام هذين النوعين من الأحكام الثابتة والأحكام الجزئية حتى ظهرت كلمة «السياسة» في محيط فقهاء الإسلام يستعملها أصحابها في بعض هذه الأحكام،
فما
هي
إذن هذه السياسة؟ وما مجالها؟ وما نسبتها إلى الفقه؟ والإجابة عن
(1) تاج السياسة الشرعية، صص
(2) تاج: السياسة الشرعية، ص 47.
EY-EI