فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6هـ/12م محمد عبد الستار عثمان [دارس عن الإباضية]

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٠

فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ / 12 م

هذه الأسئلة تشير إلى أن «أحكام السياسة كلها داخلة تحت كلمة فقه، حيث يمكن القول بأن السياسة الشرعية كل ما تصرف به شؤون الأمة وتدير به

مرافقها من القوانين والأحكام دخل في «السياسة» كل ما يطلق عليه الفقه. ومن المهم الإشارة أيضًا إلى أن المتأخرين من الفقهاء لا يكادون يستعملون كلمة «سياسة» في غير باب الحدود والتعازير، وهم يريدون بهذه الكلمة ما يلجأ إليه الولاة والحكام من العقوبات القاسية، يقصدون بها الردع والزجر وسد أبواب الفتن والشرور فمثلاً يقول صاحب «معين الحكام»: اعلم أن السياسة شرع مغلظ،، وحصر مفهوم السياسة في هذا الأمر في دائرة ضيقة، في حين أن مجالها أوسع، والمواطن التي تتجلى فيها آثارها أفسح وأرحب، فهي تدخل في جميع أعمال السلطات، وتستخدم في كل المرافق العامة، تدخل في مجا السلطة التشريعية وأثرها فيه لا يصح إغفاله أو التهوين من أمره، فإنه ما دامت شريعة الإسلام قائمة على رعاية المصلحة ورفع الحرج، وما دامت مبادئها الكلية وقواعدها الأساسية ترمي دائما إلى العدالة، وتقصد إلى جلب المنافع ودفع المضار لتستقيم بالأمة في جادة الاعتدال، فإن ذلك النوع من الأحكام هو ما نسميه السياسة الشرعية، هو الذي يفي بهذه الأغراض، ويحقق تلك المقاصد (1).

وهذا الرأي صحيح، ويؤكد ما ورد في مصادر السياسة الشرعية التي سبقت الإشارة إليها. وفي هذا ما يؤكد العلاقة الوثيقة بين السياسة الشرعية والفقه والعلاقة بينهما في إطار منظومة الدولة علاقة شمول. ولذلك فإن دراسة مصادر الفقه الإسلامي لا تنفصل عن دراسة مصادر السياسة الشرعية، بل تتكامل معها، وتساعد البحث في كل منهما في تحقيق رؤية شاملة وواضحة لكل منهما.

(1) تاج السياسة الشرعية، ص ص 48 - 49.