فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6هـ/12م محمد عبد الستار عثمان [دارس عن الإباضية]

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١

41

الفقهاء والقضاة الإباضية ودورهم في مجال العمران:

يمثل الفقهاء والقضاة الإباضية الحلقة الثانية في هرم الحكم والإدارة بعد السلطان والمفكرين من أهل السياسة الشرعية، الذين سبقت الإشارة، إلى جهودهم في رسم السياسات العامة للعمران، والتي يتبناها الحكام، ولكن الواقع التنفيذي في المجتمعات المحلية تقع مسؤوليته على الفقهاء والقضاة في المقام الأول.

ومن المهم الإشارة إلى أن المجتمع الإباضي - تاريخيا ـ في عُمان قد تميز بوجود دولة إباضية لها أئمتها الذين يقفون على قمة الهرم الإداري في إدارة الدولة، يعاونهم في ذلك الفقهاء والقضاة ويعاون هؤلاء الأخيرين أيضًا طبقات أخرى من الخبراء وأهل البصر في مستوى ميداني آخر يساعد على ضبط الأحكام الفقهية والقضائية بكل دقة في إطار الشرع الشريف. وإذا كان الأمر كذلك في عُمان باعتبار استقلالها واستقرارها، كدولة إباضية توالت الإمامة فيها فترات طويلة من التاريخ الإسلامي، وانقطع اتصالها لفترات محدودة، فإن ظروف المجتمع الإباضي في بلاد الشمال الإفريقي كانت مختلفة، فبعد أن قامت أول دولة إباضية، وهي الدولة الرستمية (160 - 296 هـ/776 - 908 م)، وأسست لانتشار المذهب الإباضي في بلاد الشمال الإفريقي، ومنها امتد إلى الأندلس وغرب أفريقية، تعرض الإباضيون لأذى الفاطميين وغيرهم من الدول التي حكمت بلاد الشمال الإفريقي بعد سقوط الدولة الرستمية، واستطاع الإباضيون أن يديروا ـ رغم هذه الظروف - مجتمعاتهم إدارة محلية تعتمد على ما يصدره فقهاؤهم وقضاتهم من أحكام تنظم العمران وغيره، ونشأت نظم إدارية محلية راسخة لها إطارها الفقهي والديني من أهمها نظام «العزَّابة»، واستطاعت هذه النظم الاستمرار حتى العصر الحديث، وكان للعوامل الدينية والتاريخية والجغرافية أثرها الواضح