المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠٨408
فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ / 12 م
وهذا السؤال يعرض لحالة مسجد عقد بالجص، وكان هناك توجه لإعادة بنائه معقودًا بالطين والجص إنشائيًا أقوى من الطين، وعملية إعادة بنائه وعقده بالطين تتطلب إنشائيًا أن يعدل التخطيط ليشمل المسجد في تصميمه الجديد على أربعة صفوف من الأعمدة تحمل الأقبية الطينية باعتبار أن متانة الإنشاء بالطين تتطلب تضييق بحور الأقبية نسبيًا عن تلك التي تنشأ بالجص كما بناء أقوى. وإجابة الفقيه تكشف عن خبرة معمارية مهمة ودراية بطبيعة مواد البناء وعلاقتها بمتانة البناء، ويتضح ذلك في قول الفقيه: «إن تركه بحاله كان أسلم، وإن فعل ذلك وكان أصلح للمسجد، فأرجو أن ذلك جائز»، حيث كان معيار الفقيه «صلاح المسجد، أي سلامته وبقاؤه متينا يؤدي وظيفية فإن كان البناء القديم المبني بالجص وفق تخطيطه الذي يشتمل على ثلاثة صفوف يبقى صالحًا فلا يهدم، ويبقى المسجد على حاله، وإن كان غير صالح فيمكن إعادة بنائه بالطين، وتغيير التخطيط ليشتمل على أربعة صفوف من الأعمدة في إطار حكم الجواز.
ومن
أعمال الترميم والإصلاح تلك الأعمال الجزئية التي تتطلب إصلاح عمارة المسجد دون هدمه وإعادة بنائه كليًا، وقد عرضت الأحكام الفقهية لبعض هذه الحالات، ومن هذه الأحكام أنه لا يجوز أن يعلي ظهر المسجد إلا لإصلاحه أو احتراز من عدو» (1).
وهذا الحكم في غاية الأهمية، حيث إن تعلية سطح المسجد لسبب أو لآخر أمر يحدث كثيرًا في العصور الوسطى ولأسباب مختلفة من أهمها ارتفاع أرضية الطرق في المستقرات السكنية الإسلامية بصورة مستمرة؛ حيث إنها لم تكن مرصوفة في الغالب بالحجارة أو غيرها من المواد، وكان ترابية ترتفع أرضيتها بمرور السنين، ومن ثم تبدو الحاجة إلى رفع أرضيات
(1) الكندي: بيان الشرع، ج 37 ص 20.