فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6هـ/12م محمد عبد الستار عثمان [دارس عن الإباضية]

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٤٧

الفصل الخامس: المنشآت المائية

447

نظير أجر. ويكشف هذا الأمر الأخير عن وجود الحفارين المتخصصين في حفر الأفلاج، وهذه الحرفة الإنشائية لا عجب في انتشارها في المجتمعات الإباضية التي تعتمد على الأفلاج كمصدر رئيس للماء، وحفرها وصيانتها وترميمها وزيادة مساقيها أمر حياتي مستمر واستمراره يعني استمرار وجود هذه الحرفة وتوارثها، ومع زيادة العمران يزيد العاملون فيها.

6

الحقيقة الغائبة التي يكشف عنها هذا الحكم هو أن الرؤية الإدارية لإنجاز حفر الفلج كانت مقصورة من جانب الفقهاء بجميع أحوالهم وصورها المتوقعة، فقد أشار الحكم إلى أن الأغياب يتولى مسؤولية مشاركتهم في الحفر الوكلاء الذين يتابعون أموالهم أثناء غيابهم، والذين يوكلهم الأغياب للقيام بهذه المهام التي تفرضها الأحكام الفقهية كحفر الفلج وغيره. وإذا لم يكن لهم وكلاء يتولى الوالي تعيين وكلاء ثقاة لهم، ويحدد الحكم لهؤلاء الوكلاء كيفية التصرف في دفع تكفة الحفر إما من ريع أموالهم، أو من أصلها، أو من أصل بعينهم في الفلج حسب الحالة. ولكن في حالة التصرف في بيع الأصل للمشاركة في حفر الفلج فإن الأمر يبقى مشروطًا بحالة الفلج الذي يرجى صلاحه والذي قد هلك، ولا يدري أيرجع أم لا.

وفي حدود هذا الإطار الذي وضعه هذا الحكم تتحدد الرؤية الإدارية التي تنظم العمل بين سلطات الدولة ممثلة في الوالي وبين المجتمع المحلي المدني تأسيسا على ما يحقق النفع ويمنع الضرر.

وكان للسلطة الحاكمة دورها في أن تأخذ أصحاب الفلج في حفره، هذا في حال إذا ما كان حفرًا صحيحًا، أما إذا كان الفلج مغصوبًا لم يجز أن

يحفر بأمر السلطان» (1).

(1) الكندي: بيان الشرع، ج 39 ص 34.