فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6هـ/12م محمد عبد الستار عثمان [دارس عن الإباضية]

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٨٦

486

فقه العمران الإباضي حتى نهاية القرن 6 هـ / 12 م

البادية، ولم يعرض لأنواعها وحريمها بذلك التفصيل الذي عرضه الفرسطائي، والذي سبقت الإشارة إليه، وهو تفصيل مهم يكمل التصور العمراني والمعماري لحريم الآبار وفق أنواعها.

ذلك

وعرضت أحكام أخرى للعلاقة العمرانية بين البئر وغيرها من عناصر النسيج العمراني. ومن ذلك علاقة البئر بالطريق المجاورة لها، فعن أبي معاوية قلت: أرأيت إن حفر إنسان بئرا جنب الطريق، كم يفسح ثم يحفر؟ قال: بقدر ما لا يضر، وتصل رطوبته من الماء من المستقين والمتوضين إلى الطريق قلت له: بقدر عشرين ذراعا؟ قال: ينظر في بقدر ما لا يكون على الطريق (مضر). ويشير هذا الحكم إلى وظيفتين مهمتين من وظائف البئر، وهي السقاية والتوضؤ، وينتج عن هاتين الوظيفتين إهراق ماء على الأرض المجاورة للبئر، فإن كانت طريقًا فإن الرطوبة تضر بالطريق، ومن ثم كان التوجه إلى الابتعاد عن الطريق بقدر معين حتى لا يحدث هذا الضرر، وعندما طرح السؤال: هل المسافة التي تفصل بين الطريق والبئر يمكن أن تكون عشرين ذراعًا لم يجب الفقيه إجابة مباشرة، وترك ذلك الأمر في إطار ما يحدث الضرر، فقد تكون الحاجة إلى مساحة أكبر، وقد تكون الحاجة إلى مساحة أقل ويتوقف ذلك بالطبع على كثافة الاستخدام الذي يحدث في الأصل هذا الضرر، ويكشف هذا عن

مرونة في تحديد الحكم تتناسب وتغير الظروف من حالة إلى أخرى. ويؤكد صاحب المصنف تكرار هذا المظهر العمراني والمعماري المتمثل في إنشاء آبار على الطرق لخدمة المارة؛ فقد ذكر مسألة: «وقلت ماتقول في رجل أوصى في ماله بمائتي درهم يحفر بها طوى مورد على بعض طرق عُمان هل يجوز للوصي أن يجعلها في حفر طوى كانت قد حفرت من قبل،

(1) الكندي: المصنف، ج 17/ ص 11.