المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١٧الفصل السادس: المنشآت السكنية
517
ويلاحظ من خال سياق الأحكام أن الفقهاء الإباضية قد توافقت أحكامهم في هذا الشأن مع أحكام فقهاء المذهب الحنفي مثل الأدرنوي وغيره. وهذا الاتفاق يرجع في الأساس إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا».
وإذا كان ما ذكره الكندي مفصلاً عن بناء المسلم في مناطق أهل الجزية مکروه، فإن ما ذكره يعني كما أشرنا أن أهل الجزية كانت لهم مناطق سكنية خاصة بهم. وإذا كان الكندي لم يشر إلى الأحكام التي وجهت إلى وجود مثل هذه المناطق، فإن مصادر فقهية أخرى تضمنت هذه الأحكام، فقد ذكرت بعض هذه الأحكام أنهم يمنعون من أن يسكنوا بمحلات المسلمين، ويؤمرون بالاعتزال في أماكن منفردة عن المسلمين).
وهذه الأحكام تشير إلى أن المناطق السكنية لأهل الجزية كانت في الغالب مستقلة بذاتها منفصلة عن المناطق السكنية للمسلمين، وهذا يجنب كثيرًا من المشكلات التي تأتي في إطار اختلاف القيم الدينية والاجتماعية والثقافية بين أصحاب الديانات المختلفة ويعضد توجه إلى طائفة دينية منطقة بعينها لتآلفهم دينيًا واجتماعيًا وثقافيًا. ويفسر هذا بوضوح
للسكنى في التجمعات السكنية لأهل الجزية في مناطق بعينها في المدن الإسلامية؛ كحارة اليهود في القاهرة والتي تجمع فيها اليهود، وسكنوا بها، وعرفت بهم. وظهر ذلك جليًا منذ العصر الأيوبي، وما زالت تسمى بهذا الاسم حتى الآن (2). ويفسر هذا ما نراه في كثير من مدننا المعاصرة؛ حيث يتجمع الجزية حسب طوائفهم الدينية فى مناطق معينة من هذه المدن.
(1) الأدرنوي: رياض القاسمين، ص
1001_00.
أهل
(2) للاستزادة راجع: المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي، ت 845 هـ): المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المطبعة الأميرية، ج 2 ص 471؛ مبارك (علي باشا): الخطط
التوفيقية الجديدة الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 1/ ص 93.