البربر والإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٨أخلصوا له، وأزالوا الكلفة معه، وامتزجوا به، وفدوه بالنّفس والنّفيس، وثبتوا على حبّه، ووفوا كلّ الوفاء … إنّهم ذوو وفاء للأصدقاء. يشهد بذلك تاريخهم، وما نجده إلى الآن من خلّة الوفاء والثّبات على الحبّ في أحفادهم. وهل المغرب إلاّ صورة لأولئك الأجداد؟ وهل دماؤه إلاّ دماؤهم؟ وهل خلاله إلاّ وراثتهم، صقلها الدّين الحنيف، وأيّدتها الدّماء العربيّة التي امتزجت بدمائهم في عروقنا؟ "(1)
هذه الخلّة تساعد كثيرًا على بقاء الإسلام ثابتًا في نفوس البربر، لأنّ التّأنّي الذي يأبى عليهم الاغترار بالمظاهر، ويرفض لهم الانطلاق إلى تبنّي موقف، أو الرّكون إلى مبدأ قبل اختباره، ثمّ البقاء أوفياء لما يعتنقونه أو يتّخذونه منهجًا … يخدم الإسلام، ويقوّي أنصاره، ويحميه من عامل تخلّي النّاس عنه. وهو ما حصل مع البربر عبر تاريخهم الطّويل، وما يزال، رغم ما يسجّل من تأثير بعض الأسباب، وما طفا على السّطح من بعض المتغيّرات، ولكنّ القاعدة بعامّة لم تنتقض.
يردّ محمد علي دبّوز على من يروّجون أنّ ثورات البربر على الأمويّين، تصنّف في خانة خلّة عدم الوفاء لأولياء الأمور، ويُرجِعُ ذلك – بالعكس – إلى طبعهم الصّافي، وقوّة نفوسهم، التي لا ترضى بالهوان والذّلة والصّغار: " وما ثوراتهم على الأمويّين، وما ينوون من الثّورة عليه
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 85. ينظر الشّهادة نفسها ابن خلدون، كتاب العبر … ، ج6، ط بولاق بمصر، ص: 104.