البربر والإسلام
الجزء ١ · صفحة ٣٠من قديم عهدها، ولم يحدث أنّ أمّة من الأمم استطاعت أن تقلبها عن كيانها، ولا أن تخرج بها عن مازيغيتها، أو تدمجها في عنصرها، بل كانت هي التي تبتلع الفاتحين، فينقلبون إليها ويصبحون كسائر أبنائها، فلمّا جاء العرب وفتحوا الجزائر فتحًا إسلاميًا لنشر الهداية - لا لبسط السّيادة – وإقامة العدل الحقيقي بين جميع النّاس، لا فرق بين العرب الفاتحين والأمازيغ أبناء الوطن الأصليّين، دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام، وتعلّموا لغة الإسلام العربية طائعين، ووجدوا أبواب التّقدّم في الحياة كلّها مفتوحة في وجوههم فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة، ونافسوهم في مجال العلم، وشاطروهم سياسة الملك، وقيادة الجيوش، وقاسموهم كلّ مرافق الحياة."(1)
يضيف الشّيخ عبد الحميد بن باديس قائلاً: " لبس أبناء الجزائر العروبة، وامتزجت بأرواحهم، وتغلغلت في قلوبهم، وأشرقت شمس معارفها في آفاق أفكارهم، وجرت ينابيع بيانها على أسلات ألسنتهم، فأصبحوا ومنهم فيها علماء وخطباء وشعراء، ولهم منها جنود وقوّاد وأمراء، وحسبك من كثرتهم القائد الفاتح، والخطيب المصقع طارق بن زياد، ثمّ ما قامت مملكة من أبناء الوطن إلاّ وهي عربيّة في كلّ شيءٍ، مثل سائر الممالك العربية في المشرق، بل فوق بعضها."(2)
كلّ الدّارسين الذين تمكّنوا من رصد هذه الحقيقة، وتتبّعها في المصادر التي تناولت حركة البربر الثّقافيّة، وحرصهم على الإفادة من الفكر الإسلامي، واستيعابهم له، أجمعوا على تمكّن هذا الفكر في نفوسهم، وإسهامهم في خدمته، وبروزهم فيه بشكل قويّ: " فعصر بني حمّاد كان عصر إنشاء وترقية وازدهار للعلوم الإسلامية والفنون الأدبية، ويضارعه في ذلك عصر المرابطين الذي رافقه في السّير الزّمني. وأمّا عصر الموحّدين فإنّه كان عصر نضج للعلوم التي ازدهرت في العصور السّابقة.
وأكبر ما أعان على ذلك النّضج هو ظاهرتان هامّتان وهما:
1 – استعراب قسم كبير من البربر، بفضل تشجيع الحمّاديّين للحركة العقلية مدّة عهدهم.
2 – احتكاك البيئة الثّقافية بالجزائر بثقافة الأندلس والمشرق .. "(3)
ما إن تمكّن العرب الفاتحون من أرض المغرب، وكسب قلوب البربر، والظّفر بثقتهم بهم حتّى سارعوا إلى تعليمهم وتثقيفهم، وتلقينهم مبادئ الإسلام. والبربر أنفسهم أقبلوا على الدّين الجديد يتزّودون منه
(1) - الدّكتور أحمد بن نعمان، كيف صارت الجزائر مسلمة عربية، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1401هـ/ 1981م، ص: 47. ينظر مجلّة الشّهاب، عدد فبراير 1938م.
(2) - في رحاب المغرب العربي، ص: 137.
(3) - مختصر تاريخ الجزائر السّياسي والثّقافي والاجتماعي، ص: 105م.