البربر والإسلام
الجزء ١ · صفحة ٤٥التّسامح الذي اتّسمت به الدّولة الرّستمية يؤكّد الباعث الحقيقي الذي دفع البربر المسلمين إلى اتّباع المذهب الخارجي، وهو البحث عن المساواة الحقّة."(1)
قامت الدّولة الرّستمية بدورها الفعّال في العناية بالبربر، والنّهوض بهم حضاريًا؛ لأنّهم أصبحوا جزءًا منها، ومن رعاياها، بخاصّة وأنّها حملت رسالة التّبليغ والدّعوة. فقد بدأت بتعريب البربر، تمهيدًا لتمكينهم من معرفة شرائع دينهم الجديد، والتّعرّف على ما يجب علمه في هذا الدّين. يقول إبراهيم بحّاز: " إنّ الجهود التي بذلت في عهد الدّولة الرّستمية لتعريب البربر جهود جبّارة(2)، وكانت من أهمّ الخلفيات الثّقافية العربية التي انطلقت منها دولة بني حمّاد في المغرب الأوسط، (حتّى أنّ القرن الرّابع الهجري، لم يكد يبزغ حتّى صار كثير من البرابرة يزاحمون العرب في لغة الضّاد، وأصبح علماء البربر يناظرون فقهاء العرب في قواعد الأصول، وتفاريع الفقه، ومبادئ علم الكلام).(3) وممّا سهّل تعريب المغرب، وأسرع في عمليته كونُ البربرية والعربية تنتميان إلى أصل واحد. وقد تنبّه إلى هذا بعض العلماء، ومنهم يهوذا بن قريش التّيهرتي في القرن الرّابع الهجري، وبرهن على ذلك في كتابه كما يقول الكعّاك."(4)
هناك شبهة يريد بها من يروّج لها النيلَ من الجهود المبذولة في تمكين البربر من تعلّم واجبات دينهم الإسلامي، ترمي إلى النّيل من العمل الذي قِيمَ به في المجال الدّعوي والجهادي، ويقصد به ضرب صفوف المسلمين، هذه الشّبهة تتمثّل في اتّهام الإباضية بأنّهم يؤلّفون بالبربرية، ويعلّمون البربر الدّين بالبربرية؛ احتقارًا للعربية، وإظهارًا للعداء لها … عرض المستشرق "باسيه Basset " هذه الشّبهات وغيرها، التي قدّمت على شكل تساؤلات ثمّ ردّها وفنّدها؛ اعتمادًا على ما قرأه في حركة الإباضية من إخلاص في تعليم البربر أمور دينهم، وتمكينهم من مقوّمات هذا الدّين، التي منها اللّغة العربية: " يقول باسيه: إنّ هذه التّساؤلات كلّها تبدو غير واردة، لأنّ الخوارج يعتبرون أكثر انقيادًا للغة القرآن ولغة الإسلام من المالكية أنفسهم، فلغة الرّسول لا ينبغي أن تبدو لهم مهانة أو حقيرة. إنّ تأليف الكتب الإباضية بالبربرية ليس له سبب إلاّ حبّ أن يطّلع عليها أغلب النّاس في ذلك الزّمان، وهم البربر الذين لا يتقنون العربية في تلك الفترة المبكّرة … والدّليل على هذا هو أنّه مجرّد أن أصبحت
(1) - مختصر تاريخ الجزائر، ص: 81.
(2) - ينظر أحمد مختار، النّشاط الثّقافي … ، ص: 76، 77. الكعّاك، موجز تاريخ العام للجزائر، ص: 282.
(3) - ينظر عويس عبد الحليم، دولة بني حمّاد صفحة رائعة من تاريخ الجزائر، ط1، دار الشّروق، بيروت، 1400هـ/ 1980م، ص: 247.
(4) - بحّاز إبراهيم، الدّولة الرّستمية، ص: 349، 350. ينظر هامش رقم: 239، ص: 350.