الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٥٢

-

عقيدة فهو يستميت في دفاعه، ويبذل فى الثبات ما يملك من جهد وقوة. أما الجندى المأجور فهو إنما يحارب امتثالا لأمر قائد، وانتظاراً لمنفعة عاجلة من سلب أو غنيمة فإذا خشي على نفسه، أو علم أنه لن يكسب

شيئاً من وراء القتال سهل عليه الانهزام وبرر في نفسه سبب الإدبار فلذلك كان الجيش التكون من المتطوعين الذين يحاربون عن عقيدة ومبدأ أبسل وأشجع وأصبر وأقوى دائماً من الجند المرتزق الذى يتخذ القتال مهنة والجندية حرفة يعيش بها فالجندى المتطوع جاء بالدافع النفسى يطلب الموت أما الجندى المرتزق فقد جاء يطلب ما يتمتع به فى الحياة وشتان بين من يقدم على الحرب طلباً لما بعد الموت ومن يقدم عليها طلباً للمتاع والحياة والسلامة ولهذه المعانى كانت الجيوش الإسلامية منذ حملت الدعوة متطوعة لا تعرف الانهزام فلما دخلها الجند النظامي كما يسمى وأصبحت الجندية مهنة للارتزاق بدأت تفشل في مواصلة الفتوح ثم فشلت في حماية نفسها أيضاً.

والدارس لتاريخ الدولة الرستمية يبدو له في وضوح أنها لم تكن دولة توسع ترغب فى امتلاك البلاد وأن الأقطار التي كانت تحت لوائها إنما انضمت إليها برغبتها الجماعية أو برغبة الأغلبية الساحقة، وهي تقتصر على

هذه الرغبة في مد حكمها. فمن أوى إليها أوته ومن ازور عنها تركته وقد كان على حدودها فى بعض الأحيان دول صغيرة ضعيفة يسهل احتلالها والسيطرة عليها وكان في بعض الجهات من حدودها بلاد لا تخضع لأية دولة وإنما تقيم على نظام عشائرى خاص بها وكان من الميسور على الدولة الرستمية ابتلاع تلك البلاد وقبائلها ولكن الدولة الرستمية لم تحاول أن تضم إليها تلك الدويلات الصغيرة وتلك القبائل المتناثرة في جوارها وإنما كانت تبنى معها علاقات المودة والصداقة. وحسن الجوار.

•

٢١٩ / ٧٩٩