الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٥٣وأحسب أن السبب فى ذلك إنما هو ما التزمته من السيرة التي تسير
عليها، فهى تكره إراقة الدماء وتخشى أن تلوث سيوفها بالدماء الحرام، وأيديها بالمال الحرام ويهمها أن يأوى إليها أتباعها راضين راغبين. على أنه ليس لها أية فائدة تجنيها من الاستيلاء على غيرها بالقوة. ما دامت لا تفرض عليهم ضرائب ولا تأخذ منهم غرامات، ولا تجمع في حروبها معهم غنائم، ولا تضع في خزائنها المالية شيئاً من أموالهم المغصوبة أو المصادرة، ولا تكون منهم جنداً مرتزقاً ينتظر الأوامر بالزحف كما كانت تفعل الدول التى تطلب التوسع وتسعى للسيطرة على أكثر ما يمكن من البلاد لأجل ما تحصل عليه من المكاسب المادية بالغنيمة والضريبة والغرامة والمصادرة
وكانت الدولة الرستمية من القوة بحيث لا يطمع فيها الطامعون. وهكذا كفت يدها عن الغير وكف الغير يده عنها. فقد مر عهد عبد الرحمن كله دون أن تتعرض الدولة لحرب دفاع أو هجوم ومر عهد عبد الوهاب كله ولم تتعرض الدولة لحرب دفاع أو هجوم ما عدا حادثتين بسيطتين مما يقع على الحدود بسبب الاحتكاك، ومر عهد أفلح كله وعلى طوله دون أن تتعرض الدولة لحروب دفاع أو هجوم ومر عهد أبى بكر دون أن تتعرض الدولة لحرب دفاع أو هجوم. ومر عهد أبى اليقظان الطويل السعيد دون أن تقع حرب ما عدا واقعة واحدة على أطراف الحدود الشرقية قام بها مغامر جرئ هو العباس بن أحمد بن طولون فلقنه عامل الإمام منصور درساً حين حاول أن يخترق الحدود الرستمية رجع به دون جيش أو مال إلى أبيه في مصر. ثم يمر عهد أبي حاتم دون أن تتعرض الدولة لحرب ما عدا واقعة واحدة حاول فيها ابن الأغلب أن يخترق الأراضي الرستمية
أبو