الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ١٣١

- 131

-

أن يركب ناقته ويتنقل بين الأحياء يضرب في البيداء، يعلم الناس في مضاربهم ويبين لهم ما يجهلونه من أحكام الدين المتعلقة بهم، لا سيما أولئك الذين يعيشون عيشة البداوة ولقد اختار أن يشق طريقه من طرابلس على سهل الجفارة ثم يصعد على الجبل يسير معه حتى يبلغ تيغيث قرب نالوت فيقيم هناك أياما ثم يرتحل على طريق تيفست ثم درج ثم غدامس، ومن هناك يتجه غرباً ماراً بالقبائل الضاربة في البادية حتى يبلغ مواطن سدراته في جبال أوراس. ويقيم هناك ما يقيم ثم يعود أدراجه مع نفس الطريق ماراً بالأحياء الضاربة في الصحراء، يقيل هنا ويبيت هناك، فيتجمع عليه الناس للسؤال والاستفتاء، وقد اتخذ في طريقه هذا عدة مصليات كان يقيم فيها أياماً يلقى دروس الوعظ والإرشاد بل ودروس التوجيه والتعليم. أما اختياره لتلك المصليات التى كان يقيم فيها آخذاً لنفسه قسطا من الراحة فقد كان ينبنى على كثرة السكان فحينما وجد كثافة من السكان ورغبة في المعرفة أقام المدة التي تتيحها ظروفه ويقتضيها قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم يكن في تلك المناطق في ذلك الحين من كبار العلماء من يروى ظمأ الناس فكان يقيم أياماً يتلقى عنه الشباب دروس العلم وبقية الناس الأحكام وحلول المشاكل الدينية، وقد عرف سكان المنطقة الواقعة بين غدامس وطرابلس عاصماً، وعرفوا ناقته التى يركبها حتى نسجوا حولها الأقاصيص ولا تزال بعض تلك الأقاصيص تتناولها الشفاه وربما أضاف لها طول الزمن كثيراً من الخيال

والخرافة.

وعرفوا مواعيد قدومه ومواعيد سفره التقريبية فكانوا ينتظرونه في المواعيد المتوقعة. ولعلك لا تجد أحداً من الجيل السابق في هذه المنطقة يجهل اسم عاصم السدراتي وناقته وبعض القصص المتعلقة به.

٢٩٨ / ٧٩٩