الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ١٣٨محكم الهوارى (1)
محكم الهوارى هو شخصية من الشخصيات اللامعة التي تتهرب من الظهور وتتباعد عن الأضواء، ولكن الناس يلاحقونها ويسلطون عليها أنوارهم الكاشفة. نشأ «محكم الهوارى» فى جبال أوراس الجميلة الخصبة، وترعرع في تلك الأودية والشعاب فى حرية أهل البادية وسماحة نفوسهم، وصرامة طباعهم وبعدهم عن اللف والدوران والتعقيد، وتجافيهم عن النفاق الاجتماعي والمداهنة والملق، وقد كان محكم منذ صغره ذكياً قويم الخلق، فتعلم العلم ونبغ فيه، وأنشأته أسرته المؤمنة على دين وتقوى، فشب لا يخاف إلا الله، ولا يرجو غير الله، عازفاً عن الدنيا مترفعاً عن ملاذها وشهواتها، مجافيا
لعبيدها
•
وقد عرفه الناس كما هو بعلمه وبخلقه وبدينه وبشدته في الحق وتعلقه بالله
فاحترموه لهذا الخلق وأحبوه من أجلها
وإذا كان الناس اليوم - ولا سيما من درس شيئاً من العلم - يكونون أحرص من غيرهم على استثمار علمهم استثماراً مادياً يبيعون فيه الكرامة من أجل المنصب، ويبذلون عزة النفس من أجل الثروة، ويتخلون عن شرف العلم الشرف المهنة، وقد يبلغ الحرص على الدنيا ببعضهم أن يغضب الله ليرضى الناس فإن أهل العلم في ذلك الحين كانوا لا يغرهم شيء من زخارف الدنيا، وإذا كان العلماء اليوم يتسابقون على الحكم ويتهارشون عليه، ويتحاربون من أجله، وقد ينحدر بعضهم إلى الكيد والكذب فإن العلماء في ذلك
(1) من علماء القرن الثالث الهجرى، ذكره الباروني في الطبقة الخامسة