الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ١٣٩

-

-

الحين كانوا يهربون منه ويفرون فرارهم من الأوبئة والأمراض. وكانوا يقولون: إذا رأيتم العالم يغشى باب السلطان فأتهموه على دينكم. ومع أن العصر الذى عاش فيه محكم الهوارى كان مملوءاً برجال العلم والصلاح مشحونا بذوى الدين السوى والخلق الرضى، غاصاً بأصحاب الفهم والذكاء والألمعية، ولا سيما تاهرت التي كانت معقلا لهم فإن الناس حينما استشارهم الإمام أفلح فيمن يختارونه للقضاء في تاهرت أجمعوا على استجلاب هذا الرجل القابع بين جبال أوراس الشاهقة بعيداً عن الضوضاء والصخب وكان يشتغل بنفسه لنفسه قانعاً بحظه من الحياة راضياً بما قسم الله له. حين اختار الناس محكماً لمنصب القضاء ورفعوا رأيهم هذا إلى الإمام ناقشهم الإمام فى اختيارهم هذا وأخبرهم أن فى الدولة كثيراً من الرجال لا يقلون علماً وديناً وذكاء وتحرياً عن محكم، وهم يعيشون في وسط الدولة، ويعرفون كيف يتصرفون مع الناس فى لطف ولباقة، وأن محكماً في طبعه الصريح الجاف، ومواقفه الصامدة، وقوته فى الحق، ومعيشته في حياة البادية قد لا يلائم طبائعهم المتحضرة، وأذواقهم المرهفة الحساسة، وسلوكهم الذى تقيده آداب المدينة وأعرافها. ولكن الناس قد اتفقوا عامتهم وخاصتهم على محكم لا يريدون غيره وصموا على موقفهم وألزموا الإمام بتنفيذ رغبتهم: ولكنهم جميعاً كانوا حائرين يفكرون فى طريقة دعوته إلى الحاضرة فإنهم لو دعوه باسم الوظيف الجديد كان حرياً أن لا يأتيهم وأن لا يستجيب لطلبهم وتداولوا الرأى مع «الإمام أفلح» وأخيراً اتفقوا أن يكتب أهل الشورى له رسالة يطلبون فيها حضوره المستعجل لأمر مهم وأن يكتب الإمام أيضا رسالة يدعوه فيها إلى الحضور وقد انفقوا على فحوى الرسالة

وإلى القارئ الكريم نص رسالة أهل الشورى قالوا:

٣٠٦ / ٧٩٩