الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ١٤١

-181.

ذلك أن مجتمعنا اليوم قد بعد جداً عن الروح التي كانت تجمع أغلب أبناء الشعب فى ذلك الحين، وأصبح رجل العلم عندنا اليوم هو نفسه يتكالب على منصب في الدولة، يقرع كل الأبواب، ويتمسح بجميع الأعتاب ويذل ويستجدى حتى للبواب، ويسعى بجميع الطرق والحيل ويتخذ كل الوسائل

والوسائط فإذا تحصل عليه، اعتبر ذلك مغنماً، وانتفخ متعاظماً

بلغنى منذ سنوات أن أحد الرجال المنسوبين إلى العلم - ممن يتجرأ فيصلى بالنساس، ويلقى عليهم دروس الوعظ والإرشاد، لا سيما في مواسم الانتخاب إذا عزم أن يخوض معركتها، وكثيراً ما يحرر الخطب الجمعية في نقد الحكومة والاهتمام بمصالح الناس. كان ذات ليلة يسهر مع جمع من أصدقائه وفتحوا جهاز الإذاعة على نشرة الأخبار فإذا فيها تأليف وزارة جديدة وإذا المرسوم يشتمل على إسناد وزارة إليه فقام دون أن يشعر ودون أن يخجل حتى من الحاضرين يتلوى راقصاً في الحجرة بين الحاضرين بكرشه الضخم - وعمامته المقورة وهو يلوك إحدى الأغنيات الشائعة بين الطبقات الدنيا من الجماهير. ومنذ تلك الليلة ترك المسجد ودروس الوعظ والإرشاد إلى أن تخلت عنه الوزارة. فرجع إلى بيت الله يعظ الناس حتى يصطاد وظيفة أخرى وقد فعل ولم ينته حتى جمعته الأقدار مع أشكاله في السيرك البشرى الذي عرض على الجماهير في سبتمبر 1969 والله في خلقه شئون

والنزر اليسير من أصحاب العلم في هذا العصر يملكون من الشهامة وعزة النفس ما يحملهم على عدم التمسح بالأعتاب. والوقوف على الأبواب ولكنهم إذا علم الواحد منهم أن الدولة تذكرته فاختارته ليشغل منصباً ها ما سارع إليه وهو يكاد يطير من الفرح مقدراً ما وراء ذلك من المكاسب

٣٠٨ / ٧٩٩