الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ١٥٢

152

-

على تربيتها ويعدها للكفاح حسب الأمل الذي لم ينطفئ فى قلبه أبداً وكان ينتظر ذلك اليوم الذى يتحقق فيه أمله فيدفع تلك الخيول وما وراءها من ثروة الله وفى سبيل الله.

وكان يعرف أصول تلك الخيل وأجناسها ومقدار عتقها، وكان يحبها: ويتفقدها فلما تقدمت به السن وكف بصره وعجز عن مزاولة الفروسية بقى يحن إلى الخيل وركوبها وتلمسها. كما لم يتحطم أمله في قيام دولة عادلة يقوم بها مؤمنون مخلصون، وكان عجزه عن الرعاية المباشرة لخيوله العتاق لم يمنعه الاهتمام بها وتفقد أحوالها والسؤال عنها وعن نتاجها، وكان أبناؤه من وأحفاده وخدمه يقومون له بكل ما يطلب من ذلك. جاءه مرة حفيده محمد بن عبد الله بن أبخت يقود إليه مهراً صغيراً ويخبره أنه نتاج الفرس الفلانية. وكانت من الأفراس التي يحبها ويعتز بها وبأصلها فأخذ الشيخ بعقود. المهر وتلمس أعضاءه ليرى بيديه ما كان يراه بعينيه وربت على ظهره وعنقه ثم قال لحفيده: أدبه وأحسن رعايته وتربيته تأخذ فيه ألف دينار. ثم جاءه مرة أخرى بمهر آخر وأخبره عن أمه وأصله فتلمسه الشيخ كما تلمس الأول ثم قال لحفيده: إن أحسنت تربيته تأخذ فيه خمسمائة دينار. وقدر اهتم القى بالمهرين وتربيتها واهتم بالفروسية وأنقنها حتى أصبح من أفذاذ الفرسان في المغرب. وكان لوصية الشيخ وأسلوبه في التربية تربية الإنسان وتربية الحيوان أثر قوى فى توجيه الفتى فقد سار على نفس المسلك من تربية المواشى وتنميته لثروة وإنفاقها في سبيل الخير. كما كان حريصاً على تربية الخيل وتخير أصولها وتوفير عددها لعل دولة عادلة تقوم فتحتاج إليها. ولكن هذا الأمل لم يتحقق لا في حياة الشيخ ولا في حياة حفيده ولا في حياة ولده. أصبح محمد حفيد أبى باديس فارساً لامعاً، وغنياً مرموقاً، وزعيما

٣١٩ / ٧٩٩