الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ١٦٢أبو صالح جنون بن يمريان (1)
أبو صالح جنون بن يمريان شخصية فذة من تلك الشخصيات التي تتسامى بمواهبها وأعمالها وأخلاقها حتى تكون ظاهرة مرتفعة بين الجميع وعند
فقد
الجميع. جمع أبو صالح بين عدد من الفضائل قل أن تجتمع في شخص. كان الرجل عالماً غزير المادة وذكياً متوقد الذكاء. وحليا واسع الحلم، وكريما
بالغ السكرم، وحيياً عظيم الحياء. ولكنه إلى ذلك كان شديداً في أمر الله لا يخاف ولا يأبه ولا يسكت. وقد أغدق الله عليه نعمة المال ووسع عليه موارد الثروة، فكان لسعة علمه وماله وخلقه. مقصداً للناس يأتونه من كل جانب، ويلتجئون إليه فى كل شدة، وكان قد حزم أمر وارجلان ووحد بينها حتى صارت كتلة قوية يخشاها الظالمون ويتحاشون جانبها.
لم يشترك فى المجال السياسى ولم يقم بأية حركة في هذا الميدان حسبما وصلت إليه في أبحاثى، فكانت وارجلان في عصره مستقلة عن جميع الدول الحاكمة تحكم نفسها بنفسها، يقيم العلماء أحكام الإسلام فيها اعتماداً على كتاب الله. وسنة رسوله وسيرة الأئمة من السلف لاسما أئمة الدولة الرستمية وما استنبطوا من أحكام. ولذلك فقد كانت ملجأ لعلماء الإباضية وزعمائهم طيلة قرن كامل يفرون إليها من الاضطهاد فيجدون في ربوعها الأمن الشامل في قلعة طبيعية لا تقربها يد ظالم، وكان المقصود من هذا الملجأ الأمين إنما هو أبو صالح جنون. ويكفى أن يعرف القارئ ما يلي حتى يدرك المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها أبو صالح في ذلك الحين. عندما تغلبت الدولة
(1) من علماء القرن الرابع، ذكره الباروني في الطبقة السابعة
•