الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ١٦٣العبيدية على الدولة الرستمية واحتلت تاهرت كانت أعظم شخصية رستمية يخشاها العبيديون إنما هو أبو يوسف يعقوب بن أفلح. وهو حرى لو دعا الناس إلى مبايعته بالإمامة أن يستجيبوا له ويبايعونه ولو بايعوه لاستطاع أن يكون دولة قوية تقف في وجه الدولة العبيدية التي بدأت تزحف وتمتد. ولذلك فقد كان قواد الدولة العبيدية حراصاً على قتله أو الحصول عليه، فأطلقوا من ورائه فرقاً من الجيش تطارده خوفاً من أن تتجمع من حوله السيوف وتقف معه الجموع كما وقفت مع جده العظيم عبد الرحمن. وجرت تلك الفرق من الجنود وراءه أشواطاً ولكنها أخيراً توقفت حين علمت أنه يقصد وارجلان الحصينة القوية، وكان العبيديون يخشون إثارتها فتحاشوها. ووصل العالم الكبير أبو يوسف يعقوب إلى وارجلان فاستقبله أبو صالح كما يستقبل الولد أباه. وكان أبو يوسف شيخاً كبيراً أما أبو صالح فقد كان في ريعان الشباب وعنفوان القوة. ووضع الشاب المؤمن الغنى كل ما كان له تحت تصرف الشيخ الكبير، وعرض عليه أن يدعو الناس إلى بيعته. ولكن أبا يوسف كان قد استقر رأيه على رأى بعض علماء المذهب من الابتعاد عن المجال السياسى، وتركه لأولئك الذين يتقاتلون عليه فاقتنع وأحب أن يقضى بقية حياته في هدوء. فمهد له أبو صالح سبيل الحياة الكريمة، وأغدق عليه من ماله الغزير وأحاطه بما يحاط به أمثاله من العناية والتكريم.
هذه واحدة، أما الثانية فقد كانت هى الأخرى في الدولة العبيدية. وذلك أن المعز لدين الله الفاطمي حين قرر الانتقال إلى القاهرة كان يخشى على ملكه في المغرب من الإباضية وكان يخشى على الأخص من العالمين الفاضلين الأمامين أبى خزر يغلا بن أيوب، وأبى نوح سعيد بن زنغيل، فقرر أن