الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ١٦٥-
-
إلى الوطن كان قد غلب على الإمام واستبد به وصم على الزيارة. رجع أبو نوح فعلا إلى وطنه (الحمة) ولكنه وجد الأحوال قد تغيرت على ما كانت عليه وتبدل الناس وسيرتهم، وفعل الحكم الظالم، والفتن المتوالية فعله في دين الناس وأخلاقهم فتغيرت معالم الحياة وتبدلت القيم في نظر الناس. فأصبح قسم منهم ينظر إلى ترف الحياة نظره إلى غاية سامية يسعى إليها بكل ما في يده من وسيلة. وقسم قد اعتصم بدينه، واستمسك بأخلاقه ومثله. فأعرضت عنه رفاهية الحياة، وجانبته مادية الحكم، واضطهده الظالمون وأعوان الظالمين ومن يسير في ركابهم.
فندم أبو نوح على مفارقته لو ارجلان، وخروجه عن صحبة أولئك القوم الكرام.
كانت وارجلاين عاصمة من عواصم الصحراء تبدو فيها بين الواحات كالعملاق العظيم وكان أبو صالح على هامة هذا العملاق طيلة قرن كامل يملأ الدنيا دينا وعلماً وخلقاً وعملاً صالحاً. كان رجال العلم يلجأون إليه من كل مكان فيجدون في المدينة نعم المقر، ويجدون من السكان نعم الاخوة، ويجدون من أبي صالح خاصة نعم الأب والأخ والصديق يضفى عليهم محبته، ويقدم إليهم خدمته، ويتولاهم بإرشاده، ويوجههم بتعليمه، وينفق عليهم من ماله. ولعل القارئ الكريم يتطلع إلى معرفة بعض
الوقائع من حياة هذا الرجل العظيم فإذا شاء ذلك فإليه أمثلة منها.
-
1 - وقعت مجاعة في وارجلان، وأصبح عدد الفقراء يزداد كل يوم، وما بأيدى الناس يتناقص حتى أحس أهل المدينة بالخطر، وكان أبو صالح من أكثر الناس ثروة وأكثرهم عملا وأحسنهم ادخاراً. فلما