الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ١٩٥

-

1950

وهو بهذا يعترف بما فى طبعه من الحدة والأنفة والاعتداد بالنفس. ولعل أغلب العميان كذلك.

كان أبو الربيع سليمان بن يخلف من الطلاب الصغار الذين يحضرون حلقة

محمد ويسلان. وكان أبو الربيع من أطيب الناس نفساً، وأسهلهم خلفاً

وأرضاهم خليقة، وألينهم عريكة، وأدومهم صحبة، وأحسهم عشرة،

معه

وأصبرهم على الأذى. فاتخذ من ماكسن رفيقاً وصديقاً وأخاً، يطالع الدروس، ويقرأ له الكتب، ويحضر له ما يعده من تمارين، ويساعده في حل المسائل، والرجوع إلى المصادر.

قال أبو العباس الدرجينى: «ولا جرم أن الشيخ أبا الربيع سليمان ابن يخلف كان مفتاح باب الخير عليه، لأنه كان محاضره، فكان ينشطه ويدربه ويحرضه ويقرأ عليه الكتاب. فإذا قرأ بابا رددا معاً مسائله، هكذا كانت عادتهما وكان كل واحد منهما برا بالآخر حقياً به، كان أبو الربيع كما ذكرنا لا يألوا جهداً فيا ينفع به صاحبه، فلا يعرف له طريق مصلحة إلا تحراه، وكان ما كسن على نحو ذلك فما له عليه قدرة. حتى أن ماكسن يدعوه بالخؤلة مع كونه دونه، وهذه الدعوة لأن أم ماكسن مزاتية من قوم أبى الربيع. واستمرت الزمالة والصداقة بين الشابين الذكيين وطالت وإن كانت لا تخلو من لحظات يقع فيها ما يقع عادة بين الإخوة والأصدقاء من حدة النقاش وبوادر الغضب والاستياء لا تلبث أن تزول آثارها. كانا يوماً يتذاكران باباً من أبواب المعرفة في كتاب فقهى، واختلفت وجهتا النظر منهما في فهم المسألة وتمسك كل منهما بفهمه وتعصب له. ودافع عن رأيه بحرارة وطال بينهما النقاش واحتد حتى انفصلا شبه

٣٦٢ / ٧٩٩