الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٢١١

- -

أحد الفريقين. ولذلك فقد كان يقف منهما مواقف يحاول أن تحوز رضاهم جميعاً ويقص علينا هو نفسه بعض أخباره فى القلعة فيقول: «وكان في القلعة حينئذ رجل من أهلها يعرف بمحمد بن عصمة متفقه مدرس عليه حلقة، فكنت أحضر مجلسه وأعود من جملة أهل الحلقة، فخرنا عنده يوماً فقال لا بن له صغير: سمعت أن غنما لبنى ينجاسن دخلت السوق. وما ضرنا أن نجتنب الشراء من السوق ثلاثة أيام، ثم لاحرج بعدها في الشراء. قال أبو محمد: فأعجبنى ما قاله».

وقد كان جلوس أبي محمد إلى ذلك الفقيه الطيب الورع، واستماعه إلى دروسه و مواظبته عليها مبعث ارتياح عند المالكية من سكان المقلمة عموماً. وكان ذات يوم فى جمع من أصدقائه الطلبة يتحدثون فمر بهم أحد معارفه من النكار فسلم عليه فرد أبو محمد السلام. فلما انصرف النكارى عتب عليه أصدقاؤه ويقص علينا هو نفسه القصة فيقول: « … . فلقيني الرجل النكارى فسلم على فرددت السلام. فلما انصرف، قالوا لي: مالك تسلم على مثل هذا؟ فقلت لهم: مالكم أنتم تسلمون على اليهود وهم مشركون،

ولا أسلم أنا على رجل من أمة محمد فأفتهم ولم يجدوا جواباً ..

لقد كان أبو محمد عالما أديبا وكان واسع الاطلاع غزير المادة حاضر الشواهد لا يجرى الحديث فى شجن من شجون الحياة إلا أنشد عليه شاهداً من شواهد الأدب العربي ودلائل مختارة من الشعر، مر عليه جماعة من المشايخ والطلبة فوجدوه يشتغل بيده لنفسه فعاتبوه وتمنوا أنه لو ترك ذلك إلى غيره من خادم أو ولد فأنشد لهم قول الشاعر:

٣٧٨ / ٧٩٩