الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٣223
-
منه
يتصاغر لهم، وإنما كان يدل بما عنده، من علم، ويتحدى من يتعرض له فى النقاش وكان إلى جانب ذلك لا يضفى على كتب السابقين ثوب القداسة، ولا يرفعها إلى مكان العصمة من الخطأ، وإنما كان ينتقدها نقد الخبير، فيطرى ما استجاد منها وينتقد مالم يحز رضاه، شارحاً لمآخذه أحياناً، مجملا لها أحياناً أخرى وكان مع هذه الحرية فى الرأى كثير المطالعة لا يكاد يفلت كتاب من ال من الكتب الموجودة فى عصره مما ألفه علماء الإسلام من مختلف المذاهب، وكان يعنى مسائل الخلاف بين المذاهب عنابة خاصة، ويراجعها في مصادرها عند كل مذهب. فكان الزائر عندما يزوره يجد عنده مجموعات من مختلف الكتب لمختلف المذاهب. وهذا التحرر في المنهج الدراسي والاعتداد بالنفس وعدم التطامن للأقران هو الذي أثار عليه بعض منافسيه. كما أثار بعض الفقهاء المتشددين من عصره الذين لا يرتفعون إلى أفقه ولا يحلقون في جوه وإن كانوا يتمتعون بمركز علمى ممتاز وسمعة شهيرة ذائعة فحاربه الطرفان بغير سلاح العلم وحكموا عليه بالخطة والهجران. ولكن الرجل القوى استمسك بموقفه فلم يتنازل لهم وقرر أن لا يرجع عما يراه من الصواب إلى استرضاء الجامدين والتنازل للمنافسين وإنما استمر يعمل على
أفقه الفسيح، ويسبح في جوه الواسع.
وسمع الإباضية من مختلف بلادهم بلادهم بإصدار حكم الخطة على أبي يعقوب وكان يصل إليهم هذا الخبر عن ناس موثوق في دينهم وأمانهم. والبعداء الذين تصلهم الأخبار من جانب واحد لا يعرفون حقيقة الوضع فيلتزمون بما وصل إليهم فكانوا هم أيضاً يعتبرون ذلك العالم الفاضل في حكم الهجران فيتطعون
عنه الصلة ويحولون دونه ودون اللقاء. وكان بعضهم يتساءل عن سبب
هذا
الحكم على عالم واسع الاطلاع فيأتيه الجواب بأن الرجل يطعن في كتب