الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٢٧٠

تجنب إباضية المغرب للنزاع على السلطة

عندما انحرفت الدول الكبرى عن المنهج الإسلامي في إجراء الأحكام واتبعت أسلوباً دكتاتورياً متعسفاً ثار الناس فى كل مكان، واتخذت تلك الثورات مختلف الأشكال والألوان والمبادئ. وسارت في طرق تتقارب أحياناً وتتباعد أحيانا أخرى. وكان الإباضية من جملة من انتقد الانحراف في سلوك الحكام، وكان موقفهم في المغرب الإسلامي لا يتعدى ـ في بادئ الأمر - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول. وكان العلماء ينددون بالظلم والظالمين في مجالسهم الخاصة والعامة ويتحدثون عن ذلك في المساجد والمجامع، ويكشفون للناس عن صور الانحراف عن الحق في سلوك الظالمين، ولما خاف الأمراء كلمة الحق وخشوا على مناصبهم أن تزلزلها الدعوة إلى الاستمساك بكتاب الله بسطوا أيديهم بالأذى، وسلطوا ظلمهم على الإباضية، فاستباحوا منهم المال والدم، وحكموا سيوفهم في رقاب بعض العلماء الأعلام فاندلعت شرارة الثورة المسلحة عليهم عندما تعدوا على العلامة عبد الله بن مسعود التجيبى دون أن يصدر منه ما يبرر العدوان عليه. فانتقل الإباضية من مرحلة النهي عن المنكر بالقول إلى مرحلة الهى عنه بالفعل، فوقفوا في وجوه المعتدين، يشلون أيديهم الضاربة، ويزحزحونهم عن كراسيهم المحجرة، وتكونت هذه الحركة أول ما تكونت في ليبيا ونجحت في مبدأ الأمر ولكن سرعان ما تألبت عليها القوى المستغلة للحكم والتي لا تريد أن يرى الناس نصاعة الحكم الإسلامى فينكشف لهم ما عليه أولئك المنحرفون من ظلم وجور وجبروت، بعد أن كانوا يموهون عليهم بأن السلطان الذى بأيديهم إنما كان بأمر الله، وأن ما يجرونه عليهم من أحكام إنما استمدوه

٤٣٧ / ٧٩٩